الإعلامي حمدي رزق يكتب: لِلنَّاسِ فِيمَا يَعْشَقُونَ مَذَاهِبُ
وطني لو شُغِلتُ بالخُلد عنه، نازعتني إليه في الخُلد نفسي. لو لم يكتب أمير الشعراء أحمد شوقي سوى هذا البيت، لكفاه، وتُوِّج على إمارة الشعر، والخُلد الجنة في السماء، والوطن جنة الله في الأرض، والمثل الروسي يقول: ” رجلٌ بدون وطن، عندليبٌ بدون أغنية ” ، وصوت العندليب يسمي ( عندلة ) و تعني الشدو والغناء والترنيم ، أناشيد تسبيح أو صلاة في حب وطن يستحق الخلود .
مقولة مأثورة للشاعر العباسي أبو فراس الحمداني يقول : ” للنّاسِ فِيمَا يَعْشَقُونَ مَذَاهِبُ ” ، وعلى قوله نقول ، ” للمصريين فيما يعشقون مذاهب ” ، وكل المذاهب تؤدي إلى قلب الوطن، وعشق الوطن مذهب المحبين، و حب الوطن فرض عليا ، افديه بروحيّ و عينيا ، من كلمات الشاعر أمين عزت الهجين بصوت وألحان موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب .
علي مذهب شاعر النيل حافظ إبراهيم: ” كَم ذا يُكابِدُ عاشِقٌ وَيُلاقي / في حُبِّ مِصرَ كَثيرَةِ العُشّاقِ ” تؤثرني لفتات عربية من عشاق عرب لمصر، استبد بهم الشوق ، فيديوهات راقية مفعمة بالحب تتغزل في أغلى اسم في الوجود، آيات من العشق الصافي، تراهم يتغزلون في مصر، ولسان حالهم من لسان عاشق مصر الحبيب صلاح جاهين، وهو يترنم بحبها وعلي أسمها يقول : ” أنا مصر عندي أحب وأجمل الأشياء / بحبها وهي مالكه الأرض شرق وغرب / وبحبها وهي مرميه جريحة حرب / بحبها بعنف وبرقة وعلى استحياء ”
لأبي الطيب المتنبي شطرة شعرية تلزمنا في هذه السطور: ” أَتُراها لِكَثرَةِ العُشّاقِ؟ ”
أتراها بعينين مبصرتين، بقلب نابض، بعقل منفتح؟
إذا أردت أن ترى جمالها، فاملأ قلبك بالامتنان، وعينك بالتقدير، مصر صاحبة كل فخر، وسيدة كل عصر، وكان فضل الله عليها عظيمًا، وفي هذا يقول ابن الكندي المصري: ” ” فضل الله مصر على سائر البلدان، كما فضل بعض الناس على بعض، والأيام والليالي بعضها على بعض، والفضل على ضربين: في دين أو دنيا، أو فيهما جميعًا، وقد فضل الله مصر، وشهد لها في كتابه بالكرم وعِظم المنزلة، وذكرها باسمها، وخصها دون غيرها، وكرر ذكرها، وأبان فضلها في آيات من القرآن العظيم، تنبئ عن مصر وأحوالها، وأحوال الأنبياء بها، والأمم الخالية، والملوك الماضية، والآيات البينات، يشهد لها بذلك القرآن، وكفى به شهيدًا”.
كان للقائد صلاح الدين صديقٌ مقرَّب، واعظٌ من أهل الشام، وسكن مصر زمنًا، وعندما عاد زين الدين الواعظ الشامي إلى صلاح الدين أثناء وجوده بدمشق، يشوقه إلى مصر، ويدعوه إليها، قال فيها ما يشرح القلب: “نيلها ونعيمها، وسلسبيلها، ودار ملكها، ودارة فُلْكها، وبحرها وخليجها، ونَشْرها وأريجها -أي طيب رائحتها-، ومقياسها وأنيس ناسها، وقصور معزها، ومنازل عزها، وجيزتها وجزيرتها، وخِيرتها وجِيرتها، وبِرْكتها وبَرَكتها، وتعلق القلوب بقليوبها، واستلاب النفوس بأسلوبها، وملتقى البحرين، ومرتقى الهرمين، وروضة جنانها، وجنة رضوانها، ومساجدها وجوامعها، ومشاهدها ومرابعها، ونواظر بساتينها ومناظر ميادينها، وساحات سواحلها وآيات فضائلها، ورحاب شوارعها، وطيب طويتها، ومجرى فلكها ومرساها، وعجائب بناها وغرائب مبناها، وكياسة أخلاقها ونفاسة أعلاتها، وشتاؤها في الفضل ربيع نضير، وغبارها عبير، وماؤها كوثري، وترابها عنبري!!”.
يلخص الشاعر السوداني الدكتور تاج السر الحسن الحكاية، حكاية حبه وغرامه وعشقه لمصر، في قصيدته الذائعة “أنشودة آسيا وإفريقيا”: “مصر يا أخت بلادي.. يا شقيقة، يا رياضًا عذبة النبع وريقة.. يا حقيقة. مصر يا أم جمال.. أم صابر، ملء روحي أنت يا أخت بلادي..”.
أعود لأمير الشعراء في قصيدته “اختلاف الليل والنهار”، ويترنم شعرًا في حب مصر، ويقول:
” وَسَلا مِصرَ هَل سَلا القَلبُ عَنها
أَو أَسا جُرحَهُ الزَمانَ المُؤَسّي
كُلَّما مَرَّتِ اللَيالي عَلَيهِ
رَقَّ وَالعَهدُ في اللَيالي تُقَسّي
مُستَطارٌ إِذا البَواخِرُ رَنَّت
أَوَّلَ اللَيلِ أَو عَوَت بَعدَ جَرسِ
راهِبٌ في الضُلوعِ لِلسُفنِ فَطنٌ
كُلَّما ثُرنَ شاعَهُنَّ بِنَقسِ
يا اِبنَةَ اليَمِّ ما أَبوكِ بَخيلٌ
ما لَهُ مولَعًا بِمَنعٍ وَحَبسِ
أَحرامٌ عَلى بَلابِلِهِ الدَوْحُ
حَلالٌ لِلطَيرِ مِن كُلِّ جِنسِ ”
ومن البيت الأخير تنبع الحكمة: أَحرامٌ على بلابله الدوح، حلالٌ للطير من كل جنس؟ أحرامٌ على بلابله الشدو بحب مصر؟ لماذا يستنكفون حبنا لمصر؟ لماذا يحاسبوننا على حبها وعشقها؟ هل يحاسبون صلاح جاهين على قوله: “باحبها بعنف وبرقة وعلى استحياء”؟ نعم من أعماق قلب يهفو ، نحبها بعنف وبرقة وعلى استحياء، ونعشقها كالداء، مصر هي الداء والدواء. وكم من قلب فيها شجاه ما شجاه.
وفي حبها يقولها إمام الدعاة، طيب الذكر، الشيخ محمد متولي الشعراوي : “مصر الكنانة التي قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أهلها في رباط إلى يوم القيامة، من يقول عن مصر إنها أمة كافرة، إذن فمن المسلمون؟ من المؤمنون؟ مصر التي صدرت الإسلام إلى الدنيا كلها، صدرته حتى إلى البلد الذي نزل فيه الإسلام، هي التي صدرت للدنيا كلها علم الإسلام، أما دفاعًا عن الإسلام، فنعود إلى التاريخ، من الذي رد همجية التتار عنه؟ إنها مصر، من الذي رد هجوم الصليبيين عن الإسلام والمسلمين؟ إنها مصر، وستظل مصر دائمًا، برغم أنف كل حاقد أو حاسد أو مُستغِلٍّ أو مُستغَلٍّ، أو مدفوع من خصوم الإسلام هنا أو من الخارج”.
قيد الله لمصر من المحبين ما ينحر قلوب الحاقدين، الداعية “الحبيب علي الجفري”، في تدوينة على منصة “إكس” يدعو لمصر: “اللهم احفظ مصر وأهلها، وأعِنها على حملها الثقيل، وادفع عنها كيد الكائدين، وعدوان المعتدين، ومكر الليل والنهار، ورُدّ عنها تطاول السفهاء، وحقد الحاقدين، وإرجاف المُرجفين، يا رب العالمين”. ٱمين.. ٱمين.. ٱمين، الحبيب يحب الحبيبة، الحبيب الجفري يرد بالدعاء على الكائدين، والمعتدين، والماكرين، والسفهاء، والحاقدين، والمرجفين، يدعو لمصر أن ينجيها من هؤلاء جميعا، ٱمين يارب العالمين.
وعليه، يلزم الدعاء لمصر بالأمن والأمان والخير والسلام، فالإكثار من الدعاء ليس بواجب، ولكن من استزاد منه فهو على خير عظيم.
اقرأ أيضا – الإعلامي حمدي رزق يكتب: فساد صغير في المتحف الكبير!



