نجوى العشيري تكتب لـ « 30 يوم»: من التأهيل إلى المنصة الوطنية.. الشباب على طاولة القرار
هناك دول تتعامل مع الشباب كرقم في جدول البطالة، ودول تتعامل معهم كقرار في مستقبل الوطن. ومنذ تسع سنوات، اختارت مصر الطريق الثاني.
لم يكن إعلان عام 2016 عاماً للشباب مجرد احتفالية. كان نقطة تحول في فلسفة بناء الدولة. فكانت البداية بالبرنامج الرئاسي لتأهيل الشباب للقيادة. الفكرة لم تكن دورة تدريبية، بل كانت محاولة جادة لخلق جيل جديد يفهم لغة الإدارة الحديثة والتخطيط العلمي، ويستطيع أن يجلس على كرسي المسؤولية دون رهبة.
ثم تحولت الفكرة إلى مؤسسة. فصدر القرار بإنشاء الأكاديمية الوطنية لتدريب وتأهيل الشباب، لتكون بيت الخبرة الذي يبني الإنسان قبل أن يبني الموظف. وبالتوازي، كانت المؤتمرات الوطنية للشباب في شرم الشيخ وأسوان هي الجسر المباشر الذي سمع فيه الرئيس الشباب دون وسيط أو فلتر.
واكتملت الرؤية عندما انتقلنا من التمكين السياسي إلى التمكين الاقتصادي. فجاءت مبادرات مثل الرواد الرقميون، لتقول لشاب في بنها أو سوهاج إن سوق العمل لم يعد هو المبنى الحكومي، بل هي مهارة رقمية تستطيع أن تصدرها للعالم وأنت في غرفتك.
رؤية متكاملة وضعها الرئيس. لكن يبقى السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم بكل أمانة مهنية: هل سارت الحكومة بنفس سرعة هذه الرؤية؟
الحقيقة أننا نجحنا في صناعة النموذج، لكننا تعثرنا في تعميم التجربة.
نعم، رأينا نواب محافظين ومساعدي وزراء ومعاونين في الثلاثينيات من أعمارهم، وهم خريجو هذه البرامج. وهذا إنجاز يحسب. لكن الشاب خارج هذه الدوائر النخبوية لا يزال يشعر أن الطريق طويل، وأن فكرته تصطدم أحياناً ببيروقراطية قديمة.
وهنا تأتي أهمية ما حدث اليوم، وما أعتبره هدية الرئيس الحقيقية بمناسبة اليوم العالمي للشباب.
وجه الرئيس عبد الفتاح السيسي الأكاديمية الوطنية للتدريب وتأهيل الشباب، بالتنسيق مع وزارة الشباب والرياضة وكافة جهات الدولة المعنية، بإطلاق منصة وطنية تفاعلية تحت رعايته شخصياً.
المنصة ليست مجرد موقع لتلقي المقترحات. حسب البيان الرسمي، هي مساحة مفتوحة أمام شباب مصر لطرح أفكارهم ومبادراتهم البناءة، ودعم مشاركاتهم في خدمة المجتمع، وتعزيز ثقافة العمل التطوعي والانتماء والمسؤولية الوطنية.
وهي ترجمة عملية لجملة الرئيس: “شباب مصر هم قوة وطننا وصناع مستقبله، وأن أفكارهم وإبداعاتهم ومشاركاتهم الفعالة تمثل ركيزة أساسية في مسيرة البناء والتنمية”.
هذا التوجيه ينتقل بنا من مرحلة تأهيل الشباب إلى مرحلة الإنصات المؤسسي لهم. لم يعد الشاب مدعواً ليحضر ويسمع، بل أصبح مدعواً ليقترح ويشارك ويتطوع ويقود.
تجارب العالم تقول إن الفكرة وحدها لا تكفي.
رواندا ألزمت مؤسساتها بمقاعد إلزامية للشباب في لجان الحكم المحلي. ألمانيا ربطت المدرسة بالمصنع فألغت الفجوة بين التعليم والعمل. الإمارات جعلت مجلس شبابها يتبع مجلس الوزراء مباشرة.
الدرس واحد: التمكين ليس منحة، بل مشاركة.
اليوم، الكرة في ملعب الأكاديمية ووزارة الشباب وكل جهات الدولة. نجاح المنصة التفاعلية لن يقاس بعدد الأفكار التي ستدخل عليها، بل بعدد المبادرات التطوعية والتنموية التي ستخرج منها إلى أرض الواقع.
نحن لا نحتاج احتفالاً جديداً بيوم الشباب، بل نحتاج جسر ثقة جديد.
وقد فتح الرئيس الباب تحت رعايته شخصياً. يبقى أن نعبر منه.
كاتبة المقال – وكيل أول وزارة سكرتير عام بالمعاش .. كاتبة مهتمة بقضايا الإدارة المحلية والتنمية والوعى الوطني.
اقرأ أيضا – نجوى العشيري تكتب لـ « 30 يوم»: كُلْ حلوًا، وتكلّم حلوًا.. عندما تُفتح القلوب قبل الملاعب


