نجوى العشيري تكتب لـ « 30 يوم»: بكره أحلى .. المصالح تتصالح
لم تكن الحرب في الخليج مجرد معركة بين أطراف تتبادل الضربات، وإنما كانت اختبارًا قاسيًا لمنطقة تعرف جيدًا أن أي اضطراب فيها لا يتوقف عند حدود الدول التي تدور فيها المواجهات، بل يمتد أثره إلى الطاقة والتجارة وحركة السفن وسلاسل الإمداد والاقتصاد العالمي.
وبينما كانت لغة السلاح تقول شيئًا، كانت لغة الاقتصاد تقول شيئًا آخر.
ففي سبتمبر 2026، اجتمعت دول البريكس في نيودلهي، وكان من بينها إيران والإمارات ومصر والسعودية، إلى جانب البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا وإثيوبيا وإندونيسيا.
وهنا تبدو المفارقة التي تستحق التأمل:
كيف يمكن لدول تختلف سياسيًا وأمنيًا، بل وتقف أحيانًا في مواقع متعارضة، أن تجلس إلى مائدة واحدة عندما تكون المصالح الاقتصادية حاضرة؟
الإجابة ببساطة: لأن الاقتصاد لا يعرف لغة الخصومة بالطريقة نفسها التي تعرفها السياسة.
إيران والإمارات مثلًا كانتا طرفين في مشهد إقليمي شديد التوتر، ومع ذلك التقت قيادتا البلدين على هامش قمة البريكس، وانتهت القمة إلى إعلان مشترك دعا إلى ضبط النفس وخفض التصعيد في الشرق الأوسط.
لم يكن ذلك اتفاقًا على كل شيء، ولم يتحول البريكس إلى وسيط لإنهاء الحرب، لكنه كشف شيئًا أهم:
يمكن أن تختلف الدول في السياسة، بينما تظل قادرة على البحث عن مساحة تلتقي فيها المصالح.
وهذا هو جوهر البريكس.
فالبريكس ليس حلفًا عسكريًا، ولا يشترط أن تتطابق مواقف أعضائه في كل القضايا، وإنما هو مساحة للتنسيق والتعاون بين دول كبيرة ونامية، تتقاطع مصالحها في التجارة والتمويل والاستثمار والطاقة وسلاسل الإمداد، وتسعى إلى أن يكون لها صوت أكبر في النظام الاقتصادي العالمي.
ولذلك لم يكن غريبًا أن تهتم القمة بأمن الملاحة واستقرار التجارة وتدفق الطاقة، فهذه ليست قضايا بعيدة عن الاقتصاد؛ إنها شرايينه الأساسية.
ومن هنا نفهم لماذا يصبح وجود مصر على هذه المائدة أمرًا يتجاوز مجرد عضوية في تجمع دولي.
مصر ليست بعيدة عن حركة التجارة والطاقة والممرات البحرية، كما أن موقعها الجغرافي يجعل استقرار المنطقة مصلحة مباشرة لها، وليس مجرد قضية نتابع أخبارها من بعيد.
والأهم أن البريكس نفسه يتوسع في البحث عن أدوات اقتصادية تقلل الاعتماد على نظام مالي واحد، وتدعم التعامل بالعملات المحلية، وتفتح مجالات أوسع للتجارة والاستثمار بين أعضائه.
وقد أكدت مصر أهمية توسيع دور بنك التنمية الجديد، وتوفير تمويل أقل تكلفة، إلى جانب دعم التعامل بالعملات المحلية، وذلك حسب ما نشر في البوابة الإلكترونية للحكومة المصرية.
إذن، ماذا تقول لنا كل هذه الصورة؟
تقول إن العالم يتغير، وإن العلاقات الدولية لم تعد تسير دائمًا بمنطق: هذا صديق وهذا عدو.
قد تختلف الدول حول السياسة، ثم تلتقي حول التجارة.
وقد تتعارض المواقف في الأمن، ثم تتفق المصالح في الاقتصاد.
وقد تظل الخلافات قائمة، لكن تظل هناك مائدة تستطيع أن تجلس حولها الأطراف المختلفة، لأن لكل دولة مصالح تريد حمايتها وفرصًا تريد اقتناصها.
وهنا تحديدًا يصبح عنواننا مفهومًا:
المصالح تتصالح.
ليس معنى ذلك أن الخلافات اختفت، ولا أن الحروب انتهت، ولكن معناه أن الدول تعرف أن إدارة الاختلاف لا تمنع البحث عن نقاط الالتقاء.
وربما يكون هذا هو الدرس الأهم لمصر أيضًا: أن نعرف أين نقف، وماذا نريد، وكيف نحول وجودنا على موائد الكبار من مجرد حضور إلى مصالح حقيقية تعود بالنفع على الاقتصاد والمواطن.
فالعالم لا ينتظر من الدول أن تتفق في كل شيء، لكنه يكافئ الدول التي تعرف كيف تحافظ على مصالحها وسط اختلاف الآخرين.
ففي عالم تتغير فيه التحالفات، لا توجد خصومة أبدية ولا تحالف دائم.. وإنما مصلحة وطن تعرف كيف تحميها.
اقرأ أيضا – نجوى العشيري تكتب لـ « 30 يوم»: مصر على مائدة الكبار



