نجوى العشيري تكتب لـ « 30 يوم»: مصر على مائدة الكبار
قد نسمع كلمة «البريكس» كثيرًا، ونقرأ عن قممه واجتماعاته، لكن تظل هناك أسئلة بسيطة تحتاج إلى إجابة أبسط: ما هو البريكس؟ ولماذا كل هذا الاهتمام به؟ وماذا يعني لمصر أن تكون واحدة من دوله؟
دعونا نبدأ من البداية.
البريكس ليس حلفًا عسكريًا، ولا اتحادًا سياسيًا، ولا اتفاقية واحدة تجمع الدول الأعضاء.
هو تجمع بدأ بفكرة اقتصادية، ثم تحول إلى مساحة أوسع للتعاون بين دول ترى أن لها مصالح مشتركة، وأن صوت الاقتصادات الناشئة والدول النامية يجب أن يكون أكثر حضورًا في الاقتصاد العالمي.
بدأت الحكاية بأربع دول: البرازيل وروسيا والهند والصين، ثم انضمت جنوب أفريقيا، ومع التوسع الأخير أصبحت مصر وإيران وإثيوبيا والإمارات وإندونيسيا ضمن أعضاء التجمع. واليوم يضم البريكس دولًا من قارات ومناطق مختلفة، تجمعها مصالح اقتصادية وتنموية، رغم اختلاف مواقفها السياسية.
أعداء الأمس.. واقتصاد اليوم
قد تختلف الدول في السياسة، وقد تكون بينها خلافات وصراعات، لكن الاقتصاد أحيانًا يفتح بابًا تستطيع السياسة أن تغلقه.
ففي البريكس تجلس دول بينها منافسة وخلافات كبيرة، مثل الصين والهند، كما تجلس إيران إلى جانب الإمارات، رغم التوترات والصراعات التي مرت بها المنطقة.
ومع ذلك، تجتمع هذه الدول حول مائدة واحدة للبحث عن مصالح اقتصادية مشتركة، وعن طرق لزيادة التجارة والاستثمار والتعاون المالي.
وهذه ربما واحدة من أهم أفكار البريكس:
ليس المطلوب أن تتفق الدول في كل شيء حتى تتعاون فيما تستطيع أن تتفق عليه.
وهذا ما يجعل البريكس مختلفًا عن فكرة التحالف التقليدي.
ولماذا يهتم العالم بالبريكس؟
لأن المجموعة أصبحت تضم دولًا ذات عدد سكان ضخم، واقتصادات كبيرة، وموارد وأسواق مهمة، وأصبح لها وزن متزايد في التجارة والطاقة والاستثمار.
لكن الأهم أن دول البريكس تريد مساحة أكبر للدول النامية والناشئة في صناعة القرار الاقتصادي العالمي، وتدعو إلى إصلاح المؤسسات المالية الدولية، وإلى تعاون مالي وتجاري أكثر مرونة.
ومن هنا جاءت فكرة التعامل بالعملات المحلية في بعض المعاملات، وتطوير وسائل دفع عابرة للحدود، وليس معنى ذلك أن الدولار اختفى أو أن هناك عملة موحدة للبريكس أصبحت بديلًا له.
الفكرة ببساطة: تنويع الخيارات وتقليل الاعتماد على طريق واحد.
وماذا عن بنك التنمية الجديد؟
ربما تكون هذه واحدة من أكثر النقاط التي تهم المواطن عندما نتحدث عن البريكس.
فالتجمع أنشأ بنك التنمية الجديد لتمويل مشروعات البنية الأساسية والتنمية، وأصبح لمصر تعاون مع البنك، الذي يمكن أن يكون مصدرًا إضافيًا لتمويل المشروعات.
وقد أشارت الحكومة المصرية، وفقًا لما نشرته البوابة الإلكترونية الرسمية للحكومة المصرية، إلى أهمية تعزيز دور بنك التنمية الجديد، وتوسيع مجالات التعاون معه، إلى جانب دعم التوسع في استخدام العملات المحلية في بعض المعاملات بين دول المجموعة.
وهنا لا نتحدث فقط عن اجتماعات وبيانات، وإنما عن أدوات يمكن أن تتحول إلى تمويل لمشروعات وفرص استثمار وتعاون اقتصادي، إذا أحسنا استخدامها.
وهنا تدخل الجغرافيا على الخط
عندما ننظر إلى خريطة أعضاء البريكس، نجد أنفسنا أمام منطقة شديدة الحساسية لحركة التجارة والطاقة في العالم.
إيران عند مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية للطاقة.
والإمارات ومصر ضمن المجموعة، ومصر عند قناة السويس التي تربط البحر الأحمر بالمتوسط، بينما يمثل باب المندب البوابة الجنوبية للبحر الأحمر.
وفي ظل التوترات الحالية، أصبحت سلامة هذه الممرات قضية تتجاوز حدود الدول المطلة عليها؛ فتعطل الملاحة في هرمز أو باب المندب يمكن أن ينعكس على أسعار الطاقة وتكاليف النقل وسلاسل الإمداد في العالم كله.
وهنا يمكن أن نفهم أهمية موقع مصر بشكل مختلف.
قناة السويس ليست مجرد مجرى مائي تمر فيه السفن، وإنما جزء من طريق تجاري عالمي تتقاطع عنده مصالح اقتصادات كبرى.
ومع وجود دول مؤثرة في هذه المنطقة داخل البريكس، يصبح التعاون الاقتصادي والحفاظ على استقرار طرق التجارة والطاقة من الملفات التي لا يمكن فصلها عن صورة العالم الجديد.
وماذا يعني كل ذلك لمصر؟
هنا نصل إلى السؤال الذي يهمنا.
مصر لم تنضم إلى البريكس لكي تحصل على عضوية جديدة تضاف إلى قائمة العضويات الدولية.
العضوية فرصة، لكن الفرصة لا تتحول وحدها إلى مكسب.
المطلوب أن نزيد صادراتنا إلى أسواق دول البريكس، وأن نجذب استثمارات جديدة، وأن نستفيد من نقل التكنولوجيا والخبرات، وأن نبحث عن مشروعات مشتركة في الصناعة والطاقة والزراعة والنقل والتكنولوجيا.
وهذا هو الاتجاه الذي تطرحه مصر داخل التجمع؛ من تعزيز التجارة والاستثمار إلى توسيع التعاون الصناعي والمالي، والاستفادة من بنك التنمية الجديد.
لكن علينا أن نسأل أنفسنا بوضوح:
ماذا لدينا لنقدمه؟
لدينا الموقع.
لدينا قناة السويس.
لدينا سوق كبيرة.
لدينا قاعدة صناعية وإمكانات في الطاقة والزراعة والخدمات واللوجستيات.
ولدينا بوابة طبيعية إلى أفريقيا والعالم العربي.
لكن الموقع وحده لا يكفي، والسوق وحدها لا تكفي.
القيمة الحقيقية تبدأ عندما يتحول هذا كله إلى منتج مصري ينافس، وصناعة تصدر، واستثمار ينتج، وتكنولوجيا تنتقل، وفرص عمل تتولد.
وهنا يصبح وجود مصر على مائدة الكبار أكثر من مجرد مقعد.
يصبح قدرة على التفاوض، وفتح الأسواق، وجذب الاستثمار، وتحقيق مصالح مصرية حقيقية.
مصر على مائدة الكبار
في عالم يتغير بسرعة، لم تعد العلاقات بين الدول تقوم فقط على من صديق ومن عدو.
قد يختلف السياسيون، لكن رجال الأعمال يبحثون عن الأسواق، والدول تبحث عن الطاقة، والشعوب تبحث عن التنمية، والسفن تبحث عن طرق آمنة تصل بها البضائع إلى أصحابها.
ولهذا تبدو عبارة «أعداء الأمس.. واقتصاد اليوم» أكثر من مجرد عنوان.
إنها تلخص جانبًا من عالم جديد تتجاور فيه الخصومة والمصلحة، ويصبح التعاون ممكنًا حتى عندما لا يكون الاتفاق الكامل ممكنًا.
ومصر، وهي تجلس اليوم على مائدة تضم قوى اقتصادية وسياسية كبيرة، لا ينبغي أن يكون سؤالها: ماذا سنأخذ من البريكس؟
فقط.
بل أيضًا:
ماذا سنضع نحن على هذه المائدة؟
لأن مكانة الدول لا تقاس فقط بمن تجلس إلى جوارهم…
وإنما بما تملكه حين تجلس بينهم.
فالمائدة قد تجمع الكبار.. لكن القيمة الحقيقية لمن يدخلها وفي يده ما يستحق أن يُسمَع ويُطلَب ويُستثمر.
كاتبة المقال – وكيل أول وزارة سكرتير عام بالمعاش .. كاتبة مهتمة بقضايا الإدارة المحلية والتنمية والوعى الوطني.
اقرأ أيضا– نجوى العشيري تكتب لـ « 30 يوم»: جيل Z.. ثروة لا تظهر في الموازنة




