كُتّاب وآراء

الإعلامي حمدي رزق يكتب: أن تأتى متأخرًا ..

«أن تأتي متأخرًا خير من أن لا تأتي أبدًا»، وجاء وزير التربية والتعليم والتعليم الفني السيد «محمد عبداللطيف» متأخرًا عامين كاملين، ولكنه أتى أخيرًا، واستقبل عقولًا مصرية من صنوف التيارات السياسية الوطنية في حوار صريح، سقفه عالٍ، بإدارة احترافية من قبل وزير الدولة للإعلام الكاتب الكبير «ضياء رشوان».

الوزير اللطيف عبداللطيف جاء يشرح نفسه، وخطته التعليمية، ونتائج عامين من العمل الشاق في حرث الحقل التعليمي، وفق شهادات المنظمات الدولية التي تشي جميعًا بأن هناك تحسنًا لافتًا في مسار العملية التعليمية المصرية، مستوجب دعمه، وتحشيد الطاقات المجتمعية لرفده بأسباب الاستمرار والاستدامة لتحقيق النقلة التعليمية المرتجاة، التعليم المثمر أسمي أمانينا، «التعلُّم ليس مجرد إعداد للحياة، بل هو الحياة نفسها» (والمقولة للمصلح التعليمي الأمريكي جون ديوي).

لم يتذمر الوزير عبداللطيف من سؤال عابر يقصف رأسه العارى، ولم يستنكف اتهامًا جزافيا بتخريب العملية التعليمية، تقبّلها جميعًا بقبول حسن، وظهر واثقًا من نفسه، منظم الأفكار، مؤمنًا برسالته التعليمية، وأجاب عن أسئلة الحضور بأريحية، تعبر عن إيمان حقيقي بأن أقصر الطرق الخط المستقيم، دون التواء أو تعريج يكلف كثيرًا من الجهد المخلص في استعادة المدرسة لدورها المفقود. حوار وزير التعليم الذي انعقد الخميس الماضي، نموذج ومثال للحوار الوطني المطلوب، حوار لا يقصي أحدًا، ولا يحجب رأيًا، وفق قاعدة رئاسية (الرأي والرأي الآخر)، قاعدة استنّها الرئيس السيسى، ويلح عليها في خطاباته العلنية، وكان حوار الوزير عبداللطيف تطبيقًا عمليًا للقاعدة، ونجاح الحوار مغرٍ للمزيد من الحوارات الحكومية مع المفكرين والكتاب والصحفيين على اختلاف مشاربهم السياسية والحزبية، ما يعكس حالة حوارية مجتمعية صحية.

أغبط وزير الدولة للإعلام ضياء رشوان على إدارة هذا الحوار بذكاء ديمقراطي، وأدعوه مخلصًا لتنظيم حوارات على هذا المستوى الرفيع مع عدد من وزراء الحكومة، سيما المرتبطين مباشرة بمصالح الناس اليومية، واتطلع لحوار مجتمعي راق مع رئيس الحكومة الدكتور مصطفى مدبولي، ليس هناك ما تُخشى إذاعته على الناس، والحكومة لا تتخفى من مسئولياتها المباشرة، والحساب يجمع في أكتوبر المقبل موعد المراجعات النهائية. في غمار «معركة الوعي» مستوجب لم الشمل، والتئام الصف، وتجميع قوى المجتمع الحية حول مقاصد الوطن العليا، والطريق إلى رأب الصدع ليس بالدعوة للاحتشاد التعبوى، ولكن بالتفاكر حول المشروع الوطني لثورة 30 يونيو، تلاقح الأفكار لنيل الأوطار، بمعنى الحصول على الحاجات والمطالب والغاية المرغوبة وطنيًا.

قبل هذا الحوار كانت خريطة العملية التعليمية غائمة، غابت عنها خطوط الطول والعرض، وبات أولياء الأمور حائرين، يفكرون، يتساءلون في جنون، حيارى لا يرون شاطئًا يرسون عليه، وإذاعة هذا الحوار على الناس قطعت الشك باليقين، وأجابت عن أسئلة الشارع، ووضع أولياء الأمور (أصحاب المصلحة المباشرة) في قلب المشروع الوطني في شقه التعليمي، وهذا من حسن تصريف الأعمال الوزارية.

وبناءً عليه، مثل هذه الحوارات، وتواليها يوفر قبة معلوماتية حصينة، تحصن العقول التي تقصفها المسيرات الإلكترونية المعادية قصفًا مفرطًا، في عملية استهداف ممنهجة، تشويش، وبلبلة، وخلط أوراق، وتفرقة بين التعليم الوطني والأجنبي، المجاني والاستثماري، والحمد لله على المجانية التي قطع الوزير بأنها باقية، ولا مساس بها من قبل الحكومة، نصا قال (المشروع التعليمي الوطني يتمتع بالمجانية الكاملة).

على هذا المنوال الحوارى، الحكومة تشرح نفسها، صحيح حكومة مدبولي تأخرت كثيرًا، ولكن الفرصة سانحة في (مراجعات أكتوبر) التي طلبها السيد الرئيس، وأتطلع أن تكون على نفس المستوى من العلانية والشفافية. معلوم بدء العملية التعليمية، حتم حوار وزير التربية والتعليم والتعليم الفني، وما نرجوه ألا تتأخر الحكومة عن الإفصاح، عن الشرح الوافي للسياسات الاقتصادية والاجتماعية، سياسيًا يقوم السيد الرئيس ومعاونوه بالمهمة داخليا وخارجيا خير قيام، وتوجهات السياسة المصرية معلومة للقاصي والداني، ويرفدها السيد الرئيس بخطابات علنية تحمل رسائل بعلم الوصول، شارحة ووافية.

غموض الحكومة يكلفها كثيرًا، والمسافة بين خطط الحكومة وآمال الشارع في حياة كريمة متسعة، والهوة تحتاج إلى تجسير معلوماتي، منسوب المعلومات الحكومية في الشارع منخفض جدًا، وهناك سردية كاذبة تروج في كل الاتجاهات وتمس كل الخدمات والمشروعات، والسردية الحكومية الغائبة مغرية لمن يستهدف المشروع الوطني، المسيرات الإخوانية تمرح في الفضاء المعلوماتي، وتحرف البوصلة الشعبية عن إدراك مقاصد المشروع الوطني في شقه التنموي، وتحيل المنجزات، والبنايات سراب، وتجديد الأصول الوطنية وتنميتها والإضافات المؤثرة في الثروة الوطنية أوهامًا، وكأن ما تراه الأعين سرابًا، وما تحلم الحكومة بتحقيقه أضغاث أحلام.

الركون لمقولة «العجز عن درك الإدراك إدراك» قد يستقيم فقهيًا، ولكنه لا يستقيم سياسيًا، ومستوجب تغذية الإدراك الشعبي بمعين معلوماتي لا ينضب، وبطرق مبسطة يفهمها رجل الشارع، التوعية باستراتيجيات المشروع الوطني ضرورة وطنية مستوجبة، لابد أن يقف المواطن على الأفكار المؤسسة لمشروعه الوطني بعقله قبل قدميه، ويدرك حجم تضحياته العظيمة، وأنها لا تذهب سدى فى مجرى النهر نحو المصب، يتقين أن صبره وجلده استثمار في المستقبل، يبصر المشروع الوطنى بعينين مفتوحتين مستقبلًا واعدًا وطموحًا. الامتنان للشعب ليس كافيًا، الامتنان مصحوبًا بالشرح الوافي، ورسم صورة مصر، ما كانت عليه وكيف أصبحت، وكيف تخط طريقها مستقبلا في حقل الشوك المضروب من حول خاصرة الوطن.

اقرأ أيضا – الإعلامي حمدي رزق يكتب: المشروع الوطني التنويري الغائب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى