كُتّاب وآراء

نجوى العشيري تكتب لـ « 30 يوم»: جيل Z.. ثروة لا تظهر في الموازنة

ماذا لو كانت هناك ثروة تملكها مصر، لكنها لا تظهر في الموازنة، ولا تُقاس بعدد الأفدنة أو أطنان الإنتاج؟

ثروة كلما استثمرنا فيها زادت، وكلما أحسنا إعدادها أصبحت قادرة على إنتاج ثروة جديدة.

إنها العقول.

ومن بين هذه العقول يبرز جيل يستحق أن نتوقف أمامه، ليس لأنه مختلف فقط، وإنما لأنه يمثل شريحة كبيرة من المجتمع، ويبدأ في التأثير في الاقتصاد وسوق العمل وأنماط الاستهلاك.

إنه جيل Z.

ذلك الجيل الذي نشأ في عالم أصبحت فيه التكنولوجيا والإنترنت جزءًا طبيعيًا من حياته، وأصبح الوصول إلى المعلومة أسرع وأسهل من أي وقت مضى.

لكن قيمة هذا الجيل لا تكمن في قدرته على استخدام التكنولوجيا فقط، وإنما في قدرته على تحويلها إلى معرفة، والمعرفة إلى مهارة، والمهارة إلى إنتاج.

وهنا تتجاوز الحكاية حدود جيل جديد يستخدم الهاتف بطريقة مختلفة.

فمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار أشار في العدد التاسع من سلسلة «تقديرات مستقبلية» إلى تنامي القوة الاقتصادية لجيل Z وتأثيره في أنماط الاستهلاك، كما أشار إلى أن هذا الجيل يمثل في مصر نحو ربع السكان.

ربع المجتمع تقريبًا ليس مجرد شريحة من المستهلكين.

إنه قوة بشرية واقتصادية سيكون لها تأثير متزايد في شكل السوق والعمل والخدمات خلال السنوات المقبلة.

وهنا يصبح السؤال الحقيقي: هل نراه فقط كمستهلك جديد يجب أن نعرف كيف نرضيه، أم كعقل يمكن أن نعرف كيف نستثمر فيه؟

فالاستثمار في الإنسان لا يعني أن نمنحه شهادة فقط، وإنما أن نمنحه القدرة على التعلم والتفكير والابتكار.

ولا يعني أن نعده لوظائف اليوم، وإنما أن نعده لعالم تتغير فيه الوظائف نفسها.

وفي زمن يتقدم فيه الذكاء الاصطناعي بهذه السرعة، لن تكون قيمة الإنسان في كمية المعلومات التي يحفظها، وإنما في قدرته على الفهم والاختيار والإبداع.

لكن الاستثمار في جيل Z لا يعني أن نضعه في مواجهة الأجيال التي سبقته.

فالأجيال السابقة تملك رصيدًا من الخبرة لا توفره التكنولوجيا، والجيل الجديد يملك أدوات لم تكن متاحة بهذه الصورة من قبل.

وحين تلتقي الخبرة بالأداة الجديدة، تصبح الفرصة أكبر من مجموعهما.

لذلك فإن القضية ليست أن نجعل جيل Z يشبهنا، ولا أن نتركه يسير وحده في عالم مختلف.

القضية أن نمنحه التعليم الذي يواكب عصره، والفرصة التي تستحقها قدراته، وأن نضع إلى جواره خبرة الأجيال السابقة، حتى يتحول الاختلاف بينهما من فجوة إلى قوة.

فالمشروعات تُبنى، والمصانع تُقام، والتكنولوجيا تتطور…

لكن الإنسان هو الذي يصنع الفكرة، ويطور المشروع، ويستخدم التكنولوجيا، ويبتكر ما بعدها.

العقل هو الاستثمار الذي يستطيع أن يصنع استثمارات أخرى.

ولهذا قد تكون إحدى أغلى ثروات مصر اليوم ثروة لا تظهر في الموازنة…

كاتبة المقال – وكيل أول وزارة سكرتير عام بالمعاش .. كاتبة مهتمة بقضايا الإدارة المحلية والتنمية والوعى الوطني.

 اقرأ أيضا– نجوى العشيري تكتب لـ « 30 يوم»: ماذا لو كان الواقع لا يكفينا؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى