كُتّاب وآراء

نجوى العشيري تكتب لـ « 30 يوم»: ماذا لو كان الواقع لا يكفينا؟

سؤال يبدو للوهلة الأولى غريبًا، وربما مبالغًا فيه، لكنه يصبح أكثر إلحاحًا عندما نتأمل ظاهرة انتشرت مؤخرًا على مواقع التواصل الاجتماعي، اختار فيها آلاف الأشخاص أن يلتقوا داخل عالم لا وجود له إلا في الخيال؛ عالم «قاع الهامور» المستمد من مدينة «بيكيني بوتوم» في عالم سبونج بوب الكرتوني.

المثير في الأمر ليس اسم الجروب، ولا الطرافة التي صاحبت ظهوره، وإنما ما حدث بعد ذلك.

فالناس لم تدخل عالمًا خياليًا لتتحدث عن الخيال، بل حملت إليها تفاصيل من حياتها الحقيقية؛ شكاوى، مواقف، هموم، علاقات، وأسئلة تشبه تمامًا ما يدور في أي مجتمع حقيقي.

وهنا تبدأ الحكاية في أن تصبح أكبر من مجرد «ترند».

لماذا اختار الإنسان أن يحكي واقعه داخل عالم لا وجود له؟

ربما لأننا نعيش في زمن لم تعد فيه الحدود بين الواقع والافتراض واضحة كما كانت من قبل.

فمنذ سنوات، ونحن نشاهد العالم الكرتوني في «عائلة سمبسون» وهو يراقب المجتمع الحقيقي، فيسخر من السياسة والاقتصاد والعلاقات الإنسانية، ويعيد تقديمها في صورة كرتونية تحمل قدرًا من الخيال، لكنها تظل مرتبطة بما يحدث حولنا.

وأحيانًا تبدو بعض المشاهد القديمة وكأنها اقتربت بصورة لافتة من أحداث وقعت لاحقًا في الواقع، وهو ما جعل الجمهور يعيد اكتشافها كلما وقع حدث مشابه.

لكن المفارقة الأهم ليست في أن الكرتون اقترب أحيانًا من الواقع.

المفارقة أن الواقع نفسه بدأ يدخل إلى الكرتون.

في «سمبسون» كان الخيال ينظر إلى الواقع ويعيد تشكيله.

أما في «قاع الهامور»، فقد أخذ الواقع طريقًا آخر؛ دخل إلى عالم خيالي، واستعار شخصياته ومكانه، ثم بدأ يتحدث عن نفسه من خلاله.

وكأن الإنسان يقول، من دون أن يقصد بالضرورة:

دعونا نترك عالمنا قليلًا، ونحكي عنه في عالم آخر.

وهنا لا أظن أن من العدل أن ننظر إلى الأمر باعتباره مجرد هروب من الواقع.

فالإنسان لا يبحث دائمًا عن الخيال لأنه يرفض الحقيقة، وإنما قد يبحث عنه لأنه يحتاج إلى مساحة يستطيع فيها أن يتنفس، ويضحك، ويتحدث بحرية، ويجد آخرين يشبهونه.

لكن المسألة تستحق سؤالًا آخر أكثر عمقًا:

ماذا وجد هؤلاء في المجتمع الافتراضي ولم يجدوه بالقدر نفسه في مجتمعهم الحقيقي؟

هل وجدوا سهولة في التواصل؟

هل وجدوا مساحة للتعبير؟

هل وجدوا قدرة على السخرية من مشكلاتهم بدلًا من أن تظل المشكلات أثقل من قدرتهم على احتمالها؟

أم أننا بدأنا، من حيث لا نشعر، في تكوين مجتمعات موازية نعيش فيها جزءًا من حياتنا، ونبحث فيها عن الألفة والتواصل والونس الذي كان الإنسان يبحث عنه قديمًا في الحي، والنادي، والمقهى، ومكان العمل، ودائرة الأصدقاء؟

لقد تغير المكان، لكن احتياج الإنسان لم يتغير.

الإنسان بطبيعته يبحث عن آخرين يشعر بينهم بالألفة، وعن مساحة يجد فيها من يسمعه ويفهمه ويشاركه اهتماماته.

الجديد فقط أن التكنولوجيا أعطته القدرة على صناعة هذه المساحة دون أن يغادر غرفته.

وهنا تبدأ المسافة بين العالمين في التضاؤل.

فقد يبدأ الأمر على سبيل التسلية، ثم تتحول المساحة الافتراضية إلى مكان للنقاش، ثم إلى مساحة للتعبير، ثم إلى مجتمع له لغته وشخصياته وقواعده غير المكتوبة.

وعند هذه النقطة يصبح السؤال أكثر إلحاحًا:

هل نحن نستخدم العالم الافتراضي لنفهم واقعنا، أم بدأنا نستخدمه لكي نستبدله؟

الفرق كبير.

أن نصنع من الخيال مساحة نراجع فيها حياتنا، فهذا أمر صحي ومفيد؛ فالخيال كان دائمًا وسيلة الإنسان لإعادة النظر في نفسه وفي العالم من حوله.

لكن أن يصبح الخيال هو المكان الذي نشعر فيه بأننا أكثر راحة من عالمنا الحقيقي، فهنا يجب أن نتوقف قليلًا.

ليس لندين الناس، وإنما لنسأل أنفسنا: ما الذي جعل الواقع أقل جاذبية؟

فالترند قد ينتهي، والجروب قد يتغير، وقد تظهر بعده عشرات الجروبات والأفكار المشابهة.

لكن الظاهرة التي كشفها تستحق أن تبقى أمام أعيننا.

لأن المشكلة ليست في أن نضحك على مشكلاتنا، ولا في أن نصنع لأنفسنا مساحة من الخيال.

المشكلة تبدأ عندما تصبح الضحكة هي الوسيلة الوحيدة للتعبير، والخيال هو المكان الوحيد الذي نشعر فيه بأننا ننتمي.

ربما لا يكون «قاع الهامور» هروبًا من الواقع، وربما يكون مجرد لعبة اجتماعية ذكية صنعتها وسائل التواصل.

لكن ربما يكون أيضًا مرآة صغيرة لشيء أكبر.

مرآة تقول لنا إن الإنسان المعاصر لم يعد يعيش في عالم واحد.

إنه يعيش في واقع يلمسه بيديه، وعالم افتراضي يشارك فيه يومه، وعوالم أخرى يصنعها بخياله كلما احتاج إلى مساحة مختلفة.

وفي النهاية، لا أظن أن السؤال الحقيقي هو:

لماذا ذهب الناس إلى قاع الهامور؟

بل:

ماذا كان يبحث عنه الناس هناك؟

فربما عندما نعرف الإجابة، سنكتشف شيئًا عن أنفسنا قبل أن نكتشف شيئًا عنهم.

وربما نكتشف أن الإنسان لا يهرب دائمًا من الواقع لأنه يكرهه…

أحيانًا يذهب إلى الخيال، لا لأنه فقد واقعه، وإنما لأنه يبحث فيه عن شيء من نفسه، وعن صورةٍ للحياة التي كان يتمنى أن يجدها في واقعه.

كاتبة المقال – وكيل أول وزارة سكرتير عام بالمعاش .. كاتبة مهتمة بقضايا الإدارة المحلية والتنمية والوعى الوطني.

اقرأ أيضا – نجوى العشيري تكتب لـ « 30 يوم»: فارس بلا جواد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى