توبكُتّاب وآراء

د. أمل رمزي تكتب لـ «30 يوم»: الخرطوم تحترق بصمت عربى بارد

لم يعد ما يجرى فى السودان مجرد حرب أهلية تدور بين طرفين على السلطة، بل أصبح مشهدا إقليميا شديد التعقيد، تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع المصالح الدولية، وتتحول فيه الأراضى السودانية تدريجيا إلى ساحة مفتوحة لتصفية النفوذ وإعادة رسم خرائط القوة داخل المنطقة.

فاستهداف مطار الخرطوم الدولى بالطائرات المُسيّرة لا يمكن التعامل معه باعتباره تطورا عسكريا عابرا أو حادثا مرتبطا بإيقاع المواجهات الداخلية، لأن ضرب منشأة مدنية بهذا الحجم يحمل دلالات أخطر بكثير من مجرد رسالة ميدانية بين أطراف الصراع، ما حدث يكشف بوضوح أن السودان دخل مرحلة جديدة من الاستباحة الخطرة ولا شك أن المنطقة كلها ستدفع ثمن هذا النوع من الصراعات الخفية.

السودان اليوم ليس مجرد دولة تعانى من الانقسام، بل أصبح نقطة ارتكاز لمعادلات إقليمية معقدة تتعلق بالبحر الأحمر والممرات التجارية، والثروات الطبيعية، وموازين النفوذ فى شرق أفريقيا والقرن الأفريقى، ولذلك فإن أى تصعيد داخل السودان لن يبقى حبيس حدوده، بل سيمتد أثره إلى الأمن القومى العربى بأكمله وعلى رأسه الأمن المصرى.

المخاوف هنا ليست مبالغات سياسية بل قراءة واقعية لما يحدث حولنا، فحين تتحول دولة بحجم السودان إلى ساحة صراع مفتوحة، يصبح التهديد مباشرا لكل دول الجوار، سواء عبر الفوضى الأمنية أو محاولات فرض خرائط نفوذ جديدة فى المنطقة؛ كما أن الحديث عن أدوار إقليمية خفية لم يعد مجرد اجتهادات إعلامية أو تحليلات سياسية، بل أصبح احتمالا قائما تفرضه طبيعة المشهد نفسه، فالصراعات الحديثة لم تعد تُدار فقط عبر المواجهة العسكرية المباشرة وإنما عبر الوكلاء والضربات غير المعلنة، وإشعال بؤر التوتر بما يحقق مصالح قوى إقليمية ودولية تسعى إلى توسيع نفوذها.

الأخطر من كل ذلك أن العالم العربى يبدو حتى الآن وكأنه يتابع المشهد من مقاعد المتفرجين، يكتفى ببيانات الإدانة التقليدية، بينما تتسارع الأحداث على الأرض بوتيرة قد تفرض واقعا جديدا يصعب تغييره لاحقا.

فالدول لا تسقط فجأة وإنما تنهار تدريجيا عندما يُترك الصراع مفتوحا بلا حسم، وحين تتحول الأزمات الداخلية إلى أبواب للتدخلات الخارجية، وعندما يصبح الصمت العربى جزءا من المشكلة، السودان لا يحتاج فقط إلى وقف إطلاق نار، بل يحتاج إلى حماية حقيقية تمنع تحويله إلى ساحة نفوذ تتصارع فوقها القوى الإقليمية والدولية لأن سقوط الدولة السودانية لن يكون خسارة للسودانيين وحدهم، وإنما زلزالا سياسيا وأمنيا سوف تمتد ارتداداته إلى المنطقة بأكملها.

ولهذا تبدو اللحظة الحالية فارقة بكل معنى الكلمة، فإما أن تدرك الدول العربية أن ما يحدث فى السودان يمس أمنها الجماعى بشكل مباشر، أو تواصل سياسة الانتظار حتى تصبح الفوضى أمرا واقعا يصعب احتوائه.

حفظ الله مصر جيشا وشعبا وقيادة.

 اقرأ أيضا

د. أمل رمزي تكتب لـ «30 يوم»: العامل المصري.. عمود الوطن الذي لايميل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى