سليمان جودة يكتب: بلد برأسين
تشعر بأن إيران تعيش هذه الأيام برأسين، ومن قبل كانت تعيش برأس واحدة إلى أن قامت عليها الحرب الأمريكية الإسرائيلية.
أما عبارة «من قبل» هذه فلا تشير إلى فترة بعيدة كما قد تبدو عند الوهلة الأولى، فالتاريخ الذى يفصل بين ما قبل هنا وما بعد هو 28 فبراير من هذه السنة.
ففيه قامت حرب الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل على إيران، وفيه سقط المرشد الإيرانى السابق على خامنئى قتيلًا فى أول أيام الحرب، ومن بعده جاء ابنه مجتبى خامنئى مرشدًا للثورة الإيرانية، ولكن من الواضح أن هناك مساحة بين خامئنى الأب وخامئنى الابن الذى لم يظهر ولا مرة واحدة منذ أن تولى مهام منصبه.
كان أبوه يقبض على الأمور، وكان صاحب هيمنة على الجميع، وكان فى إيران صوت واحد هو صوته، وقرار واحد هو قراره، وكان إذا أشار إلى شيء مطلوب جرى إنجازه على الفور، وكان إذا أبدى امتعاضه من شيء اختفى هذا الشيء، وكان إذا جاء ضيف رسمى إلى طهران أخذه المسئول الإيرانى المرافق له إلى حيث يجلس إلى رأس السلطة، ولم يكن رأس السلطة إلا خامنئى.
ولكن من بعده تبدو الأمور مختلفة، ومن علامات اختلافها مثلًا أن يصرح الرئيس الإيرانى مسعود بزشكيان بأن بلاده لن تستهدف دول الجوار فى الخليج، فلا تمر ساعة أو بعض ساعة إلا وتكون الدول نفسها هدفًا لهجوم إيراني!.. حدث هذا مرات وربما لا يزال يحدث، رغم أن المتكلم فى كل الحالات هو رئيس إيران شخصيًا، وليس شخصًا عابرًا فى عرض الشارع.
ولا معنى لهذا إلا أن فى البلد رأيين يتصارعان، وأن أحدهما يرى عدم مهاجمة دول الخليج، بينما يرى الآخر العكس، ومن الواضح أن الأخير هو الأقوى، بدليل أنه يتجرأ على تصريح رئيس البلاد ذات نفسه ويكسر كلامه!
ولو أن أحدًا يتابع ردود الفعل الإيرانية على الحصار الاقتصادى الذى فرضته إدارة ترامب على إيران، فسوف يلاحظ أن هناك تيارين: تيار يتشدد ويذهب إلى طريق المواجهة مع الولايات المتحدة، وتيار آخر يُرخى حبل التشدد ويرى ضرورة إنهاء هذه الحرب التى لا ضرورة لها!
بزشكيان يتبنى الرأى الثانى ويدعو إليه، ولكن فى المقابل يوجد رأى آخر متشدد وعلى رأسه المرشد الابن طبعًا، ومعه قوات الحرس الثورى الموازية لقوات الجيش هناك!.. فما يكاد بزشكيان يدعو إلى شيء مما يدعو إليه، حتى يكون الحرس قد أبدى العكس على طول الخط.. ولا يمكن لبلد برأسين أن يفوز فى حرب ولا أن ينتصر فى معركة.
اقرأ أيضا– سليمان جودة يكتب: حيرة المؤرخ




