سليمان جودة يكتب: حيرة المؤرخ
سوف يجد المؤرخ حيرة بالغة إذا جلس ذات يوم يؤرخ لهذه الفترة الممتدة من يوم إطلاق الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، إلى أن يأذن الله لها أن تضع أوزارها على الجبهتين.
وسوف يكون مرجع الحيرة إلى أنه سيجد صعوبة فى التفرقة بين ما هو جاد وما هو هازل فيها، فالإثنان يختلطان ببعضهما البعض كما لم يختلطا من قبل، بل إن ما يقال اليوم على لسان أى من طرفى الحرب، يقال عكسه من جانب الطرف نفسه فى اليوم التالى، وما يؤكده هذا ينفيه ذاك، والناس تكاد تفقد عقولها من جراء ما تسمع وتقرأ فى شأن هذه الحرب العجيبة الغربية.
لقد استيقظ العالم ذات صباح على تصريح من الرئيس الأمريكى دونالد ترمب يقول فيه إن إدارته ستعلن مضيق هرمز أرضًا أمريكية فى الغد.. أى فى اليوم التالى لإطلاق تصريحه هذا.. وحين جاء الغد قالت الإدارة ذاتها على لسان متحدثها الرسمى، إن ما قاله الرئيس غير دقيق وغير صحيح، وأن الرئيس كان فى الحقيقة يمزح!
لنا أن نتخيل أن يطلق رئيس أكبر دولة فى العالم تصريحًا بهذه الخطورة، فينشغل به العالم ويقلق بشأنه، ولا يعرف كيف سينفذه ساكن البيت الأبيض؟.. فإذا طلع نهار اليوم التالى تبين للعالم أن الرئيس بجلالة قدره كان يمزح!
هل هذا موضوع للمزاح؟ وهل يجوز لرئيس الدولة الأقوى فى العالم أن يمزح بهذا الشكل، أو فى هذا الموضوع؟ وماذا إذا ضرب بلدًا بالسلاح النووى مثلًا، ثم قال إنه لم يكن يقصد وإنما كان يمزح؟.. وماذا وماذا إلى آخر ما سوف يخيفك، وأنت تتابع الشيء ونقيضه فى حرب لا تريد نارها أن تنطفئ.
وما كادت أيام قليلة تمر، حتى كان الرئيس نفسه قد عاد للموضوع ذاته وبطريقة أعجب.. لقد خرج على الناس يقول إنه يعتبر مضيق هرمز أرضًا أمريكية!
هذه المرة لم يبادر متحدث البيت الأبيض إلى النفى ولا إلى شيء، وبما يعنى أن الرئيس يقصد ما يقوله، ولكننا لا نعرف الفارق بين أن يقول ساكن البيت الأبيض إنه سيعلن أرض المضيق أرضًا أمريكية، وبين أن يقول إنه يعتبرها أرضًا أمريكية؟
هل هو مجرد تخفيف للصيغة، أم أنه تبديل لها، أم ماذا على وجه التحديد؟ وما تجده على هذا النحو على الجبهة الأمريكية تجد أشد منه على الجبهة الإيرانية!.. فكان الله فى عون المؤرخ الذى سيكون عليه أن يميز الجد من الهزل فى كل هذا العبث المتناثر فى كل مكان!
اقرأ أيضا – سليمان جودة يكتب: طلب العفو في الثلاجة



