خالد إدريس يكتب لـ «30 يوم»: وزير البترول بين الإنجاز والعائد على المواطن؟
دُعيت إلى لقاء وزير البترول والثروة المعدنية، ضمن كوكبة من رؤساء تحرير الصحف المصرية وكبار الإعلاميين.
وكعادتى فى مثل هذه اللقاءات، استعددت جيدًا بجمع أكبر قدر ممكن من المعلومات عن قطاع البترول والثروة المعدنية، حتى يكون اللقاء مثمرًا، وحتى أستطيع مواجهة الوزير بالأرقام والحقائق، بعيدًا عن تجميل الصورة ومجاملات المناسبات، خاصة أننى لم ألتقِ الرجل من قبل.
لم أكتفِ بالبحث فى أرقام القطاع، بل قرأت أيضًا سيرته الذاتية لأعرف: من هو كريم بدوي؟
ومن الوهلة الأولى، أدركت أننى أمام شخصية ناجحة علميًا ومهنيًا؛ فهو خريج هندسة قسم الميكانيكا من الجامعة الأمريكية بالقاهرة بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف، ثم حصل على ماجستير فى هندسة الميكانيكا من الجامعة نفسها عام 1998، وماجستير إدارة الأعمال من جامعة إراسموس روتردام فى هولندا عام 2008، إلى جانب دبلومات وبرامج تدريبية متخصصة.
أما قطاع البترول والثروة المعدنية، فالمعلومات التى اطلعت عليها تشير إلى تحقيق نتائج لافتة فى عمليات البحث والاستكشاف، واكتشافات جديدة للبترول والغاز خلال الفترة من يوليو 2024 وحتى أبريل 2026.
كما شهدت الفترة نفسها انخفاضًا كبيرًا فى مستحقات شركات البترول الأجنبية، بلغت صفرًا فى يونيو 2026 مع الإعلان عن تسويات مالية واستثمارات جديدة والتزامات استثمارية تقدر بنحو 19 مليار دولار مع شركات عالمية كبرى، من بينها «إيني» و«بى بي» بالتوازى مع اهتمام متزايد بتطوير البنية التحتية للقطاع.
هنا وقفت حائرًا أمام هذه الأرقام: كيف يمكن تحقيق كل هذه النتائج خلال فترة زمنية قصيرة، فى الوقت الذى أعلنت فيه الحكومة قبل سنوات أنها تستهدف تحقيق الاكتفاء الذاتى من المواد البترولية والغاز بحلول عام 2023، وهو الهدف الذى لم يتحقق فى موعده؟
وهل يستطيع وزير البترول الحالى أن يحقق ما عجزت عنه خطط سابقة؟
بصراحة، فكرت فى عدم الذهاب إلى اللقاء.
أولًا، لأن مقر وزارة البترول فى العاصمة الإدارية يبعد عن منزلى نحو 80 كيلومترًا. وثانيًا، لأننى توقعت السيناريو التقليدى:
وزير يستعرض الإنجازات، ويقدم أرقامًا وفيديوهات، ثم ينتهى اللقاء ويعود كل منا إلى عمله، من دون أن نخرج بإجابة حقيقية عن الأسئلة الصعبة التى تشغل المواطن المصرى.
لكن شيئًا ما تغير فى داخلى.
تجمعت فى رأسى المعلومات التى قرأتها عن إنجازات القطاع، واختلطت بالسيرة الذاتية للوزير، وامتزج كل ذلك بتركيبتى الشخصية التى تبحث دائمًا عن التفرد وإثبات الذات. وكان القرار الحاسم: سأذهب.
ربما أخرج بانفراد صحفى من إجابة عن سؤال شائك، أو من موقف طارئ، أو من مواجهة ساخنة مع الوزير حول السؤال الأهم: ماذا سيعود على المواطن المصرى من كل هذه الاكتشافات والإنجازات، فى وقت يعانى فيه الناس من ارتفاع الأسعار وتكاليف المعيشة، ومن زيادات متتالية فى أسعار المحروقات؟
من الوهلة الأولى، شعرت بأن هناك شيئًا مختلفًا فى المهندس كريم بدوى.
الرجل يبدو مختلفًا فى ملامحه وأسلوب تعامله، لكن الاختلاف الحقيقى ظهر فى طريقة إدارته للقاء.
بدأ بعرض واضح ومفصل لما تحقق خلال السنوات الماضية، لكنه لم ينسب الإنجازات إلى نفسه، وإنما إلى فريق العمل الذى خطط ونفذ وواجه التحديات وحقق النتائج.
وكانت المفاجأة عندما بدأ الوزير يشير إلى بعض السيدات الجالسات بين الحضور، مطالبًا إياهن بالحديث عن الأعمال التى أنجزنها.
اكتشفنا أنهن مهندسات ومسئولات فى قطاعات مختلفة بوزارة البترول والثروة المعدنية، وأن الوزير لا يريد أن يكون هو بطل المشهد، وإنما يريد أن يُظهر فريقه أمام الجميع.
تحدث المهندسات والمهندسون عن تجاربهم وما تحقق على أرض الواقع، ومن خلال كلماتهم بدا واضحًا أن الوزير استطاع أن يخلق حالة مختلفة داخل فريق العمل؛ حالة تقوم على المشاركة وتحمل المسئولية، وعلى أن الإنجاز لا يُنسب إلى شخص واحد، مهما كان موقعه، وإنما إلى منظومة كاملة تعمل من أجل هدف واحد.
وكان لافتًا أيضًا أن الوزير لم يتحدث عن الشركات الأجنبية والمصرية العاملة فى القطاع باعتبارها مجرد منفذة لخطط الوزارة، وإنما قدمها باعتبارها «شركاء نجاح».
تحدث ممثلو عدد من الشركات عن أعمالهم وما تحقق، وأكدوا حصولهم على حقوقهم وتسوية مستحقاتهم، بما عزز الصورة التى قدمها الوزير عن وضع القطاع، وأعطى للأرقام التى طرحها سندًا من شهادات أطراف أخرى مشاركة فى صناعة القرار والاستثمار.
خرجنا من اللقاء بانطباع مختلف.
ليس لأن وزيرًا قدم لنا أرقامًا عن الإنجازات، فهذا أمر تفعله كل الحكومات والوزارات، وإنما لأن طريقة عرض هذه الإنجازات كشفت عن فلسفة إدارية مختلفة: وزير يضع فريقه فى المقدمة، ويترك للآخرين مساحة الحديث عن النجاح، ويقدم شركاء القطاع كشهود على ما تحقق.
والأهم أن هذا اللقاء أعاد إلينا شيئًا من الأمل فى إمكانية تحقيق حلم طال انتظاره: الوصول إلى الاكتفاء الذاتى من البترول والغاز، بل وربما الانتقال إلى مرحلة التصدير، بالتوازى مع ما يجرى فى مجالات الطاقة الجديدة والمتجددة.
لكن يبقى السؤال الذى لا يمكن تجاهله.
ماذا سيستفيد المواطن المصرى من كل هذه الاكتشافات والإنجازات؟
هل سيؤدى تحقيق الاكتفاء الذاتى إلى خفض أسعار المحروقات؟ أو على الأقل إلى ضمان عدم استمرار زيادتها؟
فالاكتشافات ليست غاية فى حد ذاتها، والأرقام القياسية لا تكفى وحدها لإقناع المواطن.
النجاح الحقيقى لأى سياسة بترولية لا يُقاس فقط بحجم الاحتياطيات المكتشفة، ولا بعدد الاتفاقيات والاستثمارات، وإنما بما يصل فى النهاية إلى المواطن فى صورة أسعار أكثر عدالة، وأمن فى إمدادات الطاقة، وفرص عمل، وتحسن فى الاقتصاد ومستوى المعيشة.
هنا تحديدًا سيكون الاختبار الأصعب للمهندس كريم بدوى.
وفى النهاية، تظل المعادلة واضحة:
الاكتشافات مهمة.. والاستثمارات ضرورية.. والإنجازات تستحق الإشادة، لكن القيمة الحقيقية لكل ذلك تبدأ عندما يشعر المواطن المصرى بعائدها فى جيبه وحياته.
Khalededrees2020@gmail.com
اقرأ أيضا– خالد إدريس يكتب لـ «30 يوم»: التوجيهات الرئاسية والسؤال المشروع هل تشعر الحكومة بالشعب؟




