كُتّاب وآراء

سليمان جودة يكتب: الأصل في سبتة ومليلة

ربما يكون أهم ما قيل فى أحداث مدينتى سبتة ومليلية الأخيرة، هو ما صدر عن مسئولين إنجليز مخاطبًا الحكومة الإسبانية فى مدريد. 

المسئولون الإنجليز نقلت عنهم تقارير صحفية موثوقة، أنهم يدعون حكومة بيدرو سانشيز فى إسبانيا، إلى وضع حد للاحتلال الإسبانى للمدينتين. ورغم أهمية الدعوة، ورغم أنها تتعامل مع الأصل فى ملف المدينتين، وهو الاحتلال الإسبانى لهما، إلا أنها تاهت فى غمرة انشغال وسائل التواصل الاجتماعى بأعداد المهاجرين إلى سبتة ومليلية. 

ولو شئنا الحقيقة فيما جرى فملأ الدنيا وشغل الناس، فسوف نجدها فى البيان المغربى الرسمى الذى صدر على لسان المتحدث باسم وزارة الداخلية المغربية. 

البيان يذكر أن أربعة عوامل متداخلة كانت وراء الأحداث، أولها الاستغلال المغرض للفضاء الرقمى، وثانيها ترويج معلومات مضللة، وثالثها دور عصابات الاتجار بالبشر، ورابعها التأويلات الخاطئة لمعطيات قانونية وإدارية استهدفت الإيهام بإمكانية الدخول إلى أوروبا بسهولة ودون تبعات قانونية. 

نذكر بالطبع أن الأرقام التى تداولتها وسائل التواصل الاجتماعى ومعها بعض وسائل الإعلام عن أعداد الذين دخلوا المدينتين، أو سقطوا فى الطريق إليهما، كانت أرقامًا كبيرة ومتصاعدة، وكانت تكبر فى كل يوم وكأننا فى مزاد، ولكن البيان الرسمى يضع الأمور حيث يجب أن توضع، فيتحدث عن ضبط ٤٠ ألف شخص كانوا فى اتجاه سبتة، و١١٣٥ كانوا فى اتجاه مليلية، حيث تمت إعادتهم فى حينه. ويذكر أيضًا أن الأحداث أسفرت عن تسجيل حالة وفاة عرضية واحدة إثر السقوط من منطقة صخرية مجاورة لسبتة إلى جانب عشر حالات وفاة ناتجة عن الغرق. 

لماذا أتوقف عند هذه التفاصيل كلها؟.. أتوقف عندها لنرى الفارق بين كلام وأرقام تقال على مواقع التواصل، بلا بينة، وبلا تدقيق، وبلا تحقيق، وبين أرقام أخرى تقال فى بيان رسمى يتحرى الدقة فيما يقول ولا يجرى وراء الترند. 

أما الأصل فى المدينتين فهو ما صدر بشأنهما من المسئولين الإنجليز مخاطبًا الحكومة فى مدريد، فالأصل أن سبتة ومليلية مدينتان مغربيتان، ولا يغير الاحتلال الإسبانى لهما من هذه الحقيقة فى شىء، ولو أنت نظرت إلى موقع المدينتين على الخريطة فسوف تجدهما جزءًا من أرض المغرب جنوب المتوسط، بينما إسبانيا تقع شمال البحر، ولا تفهم بالتالى كيف تكون مدينتان فى جنوب البحر تابعتين لدولة فى شماله، مع ما بين الشاطئين من مسافات طويلة جدًا؟ 

بقايا الاستعمار القديم لا تزال تبحث لها عن مكان فى عصرنا، ومن قبيل ذلك أن تظل المدينتان تحت احتلال إسبانى فى القرن الحادى والعشرين، رغم أنهما مغربيتان لحمًا ودمًا. والحقيقة أنه لا شىء فى ملفهما المُثار هذه الأيام، أفضل من استجابة الحكومة فى مدريد للدعوة الإنجليزية، لأنها عين العقل فى قلب الموضوع.

اقرأ أيضا – سليمان جودة يكتب: هذا الإعجاب المريب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى