توبكُتّاب وآراء

نجوى العشيري تكتب: هل الفساد ظاهرة أم حالة؟ قراءة في واقع المحليات ومُساءلة القيادات

عندما يطرح السؤال الفلسفي والعملي في آنٍ واحد: “هل الفساد في مجتمعنا مجرد ظاهرة أم أنه أصبح حالة؟”، فإننا لا نكون أمام استفسار أكاديمي بحت، بل أمام تشخيص دقيق لمجتمعاتنا التي تعيش تحولات عميقة. ومن المناسب جداً أن ننطلق في إجابة هذا التساؤل، ونحن نستشعر أصداء قضية حديثة ألقت بظلالها الثقيلة على المشهد المحلي، وهي ما جرى مؤخراً في محافظة أسوان، حين ألقت الأجهزة الرقابية القبض على سكرتير عام المحافظة ومدير مكتبه، في واقعة اتُهم فيها الرجلان بتلقي رشوة واستغلال نفوذ في قضايا مالية وإدارية.

إن هذه الحادثة ليست مجرد خبر عابر في صحيفة أو تغريدة، بل هي رسالة واضحة تكشف عن العمق الذي وصل إليه الاختلال في بعض أروقة العمل العام. ولذلك، يجب أن نعود إلى جوهر السؤال الذي يمثل امتحاناً حقيقياً لكل من يسعى للارتقاء إلى صفوف القيادة العليا.

بين الظاهرة والحالة: حدود المصطلح

كثيرون يخلطون بين “الظاهرة” و”الحالة”، لكن الفرق بينهما ليس مجرد تلاعب بالكلمات، بل هو اختلاف في الرؤية.

“الحالة” هي واقعة فردية، طارئة، يمارسها شخص بعينه في لحظة معينة، وتبقى معزولة، ولا تتكرر بشكل يؤثر على نسيج المجتمع ككل. إنها انحراف سلوكي محدد يمكن علاجه بمحاسبة المرتكب وإعادة الأمور إلى نصابها.

أما “الظاهرة”، فهي شيء مختلف تماماً. هي سلوك يتكرر بشكل مقلق، ويتحول إلى نمط راسخ يتقبله الناس بصمت أو يتعاملون معه كحقيقة واقعة لا مفر منها. وعندما يتحول الفساد إلى ظاهرة، فإن ذلك يعني أن البنى المؤسسية والقانونية قد فقدت قدرتها على ضبط سلوك الأفراد، وأن الاختلال أصبح جزءاً من منظومة العمل اليومي.

المحليات: الساحة التي تظهر فيها الحقيقة

إن النظر إلى واقع الإدارة المحلية في بلدنا يكشف عن معادلة معقدة. فبينما يصر البعض على اعتبار ما يحدث من تجاوزات مجرد “حالات فردية” تقع هنا وهناك، فإن المشهد العام يروي قصة مختلفة تماماً.

عندما نرى حملات رقابية موسعة تتعاقب، وتكشف عن شبكات من المخالفات المالية في تراخيص البناء والتعديات على الأراضي، وعندما تصل التكلفة السنوية للفساد إلى أرقام فلكية تستنزف جهود الدولة، فإننا أمام مشكلة بنيوية. فالفساد في المحليات لم يعد مجرد موظف يطالب بأجرة غير مستحقة لتسهيل معاملة، بل أصبح شبكة متكاملة تستغل الثغرات وتربط المصالح بغير وجه حق.

والإحصائيات المتاحة تؤكد أن الفساد في المحليات ليس وليد اليوم، بل هو ظاهرة راسخة تمتد جذورها عبر عقود. وما كُشف عنه أخيراً في أسوان وغيره ليس حدثاً عابراً، بل هو امتداد طبيعي لظاهرة تحتاج لمعالجة جذرية.

قضية أسوان: درس في التحول من الحالة إلى الظاهرة

ولعل ما جرى مؤخراً لسكرتير عام محافظة أسوان ومدير مكتبه، يقف شاهداً حياً على هذه المعضلة. رجل شغل مناصب قيادية متسلسلة في أكثر من محافظة، ووصل إلى هرم الإدارة المحلية في واحدة من أهم المحافظات، يُفاجأ الجميع بسقوطه في قبضة الرقابة الإدارية بتهمة الرشوة والتربح غير المشروع.

هذه الواقعة تطرح سؤالاً جوهرياً: هل كانت هذه مجرد “حالة” معزولة حدثت في لحظة ضعف، أم أنها نتيجة حتمية لبيئة عمل سمحت بانتشار قيم الفساد حتى وصل إلى مستويات صنع القرار؟

إن الإجابة تكمن في إدراك أن ما حدث في أسوان ليس مجرد خطأ فردي، بل هو مؤشر على أن الفساد إذا لم يتمت معالجته من جذوره في مراحل مبكرة، فإنه يتصاعد من مجرد “حالة” عابرة ليمسك بمقدرات المنظومة بكاملها.

الخلاصة: الفساد في عيون القيادات

لذلك، عندما يُطرح السؤال: هل الفساد ظاهرة أم حالة؟ فإن الإجابة الصادقة هي أن مجتمعنا يمر بمرحلة انتقالية حرجة. لقد تجاوزنا مرحلة “الحالة الفردية” ودخلنا بعمق في مرحلة “الظاهرة المؤسسية” التي تتغذى على ضعف الرقابة، وتدني الأجور في بعض المواقع، والتراخي في تطبيق القانون.

إن المحاسبة الصارمة، كالتي شهدناها في أسوان، هي الخطوة الأولى لاستعادة التوازن. لكن المحاسبة وحدها لا تكفي. فالقضاء على الفساد لا يتحقق بوضع الرجل الفاسد خلف القضبان، بل ببناء منظومة إدارية قوية، تعيد الثقة للمواطن، وتجعل الشفافية هي السبيل الوحيد لإنجاز أي عمل.

وكقادة نطمح إلى تبوؤ المناصب العليا، يقع على عاتقنا مسؤولية مزدوجة: أن نكون قدوة في النزاهة، وأن نمتلك الشجاعة لإعادة بناء المؤسسات التي نحكمها، كي لا يكون الفساد ظاهرة نعيشها، بل مجرد حالة نادرة لا مكان لها في قاموسنا.

 اقرأ أيضا  نجوى العشيري تكتب: حصاد العمر.. قراءة في حقوق أصحاب المعاشات بين الثقة والقانون

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى