كُتّاب وآراء

الإعلامي خالد إدريس يكتب لـ «30 يوم»: المصريون بالخارج.. كنز الانتماء قبل الدولار

ليس كل ما يدخل خزينة الدولة يُقاس بالدولار، وليس كل ما يملكه الوطن يُودَع فى البنوك. فهناك ثروة لا تُقدَّر بالأرقام، ولا تُحصى بالإحصاءات، ولا تُقاس بحجم التحويلات المالية، بل تُقاس بحجم الانتماء. تلك هى ثروة المصريين بالخارج.

لقد اعتادت الحكومات أن تتحدث عن المصريين فى الخارج كلما أعلنت أرقام تحويلاتهم، وكأن ملايين المصريين المنتشرين فى قارات العالم مجرد حسابات مصرفية، بينما الحقيقة أكبر كثيراً من ذلك. إنهم قوة مصر الناعمة، وخط دفاعها الأول عن صورتها فى الخارج، وجيشها المدنى الذى يتحرك بلا أوامر، ويحمل الوطن فى القلب قبل أن يحمله فى جواز السفر.

إن اختزال المصريين بالخارج فى كونهم مصدراً للعملة الأجنبية خطأ سياسى قبل أن يكون خطأ إدارياً. فالأوطان التى تعرف قيمة أبنائها لا تنتظر تحويلاتهم، وإنما تستثمر فى عقولهم، وتستفيد من خبراتهم، وتحتضن نجاحاتهم، وتحولهم إلى شركاء دائمين فى صناعة المستقبل.

ولهذا فإن التعامل مع هذا الملف يجب أن يرتقى إلى كونه قضية أمن قومي. فالدولة التى تنجح فى الحفاظ على انتماء أبنائها خارج الحدود، تملك نفوذاً لا تصنعه الجيوش وحدها، ولا تحققه الاتفاقيات الدبلوماسية بمفردها.

حضرت ندوة بعنوان «هموم وطموحات المصريين بالخارج» أعقبت النسخة السابعة من مؤتمر المصريين بالخارج الذى نظمته وزارة الخارجية تحت شعار «مهما اتغرّبنا… مصر تقربنا». وهناك لم أسمع أصواتاً غاضبة، بقدر ما سمعت قلوباً تتحدث.

كان الحاضرون يحملون عشرات المبادرات والأفكار، لم يأتوا ليطلبوا امتيازات، بل جاءوا يبحثون عن نافذة تصلهم بوطنهم.

تحدثوا عن حلول للاستثمار، والتعليم، والصحة، والتواصل مع الأجيال الجديدة من أبناء المصريين فى الخارج.

قال بعضهم إنهم سلموا مقترحات مكتوبة خلال المؤتمر الرسمي، لكنهم لا يعلمون هل ستصل إلى من يقرأها ويهتم بها، أم ستنام فى الأدراج مثل عشرات المبادرات التى سبقتها؟.

أكثر ما استوقفنى فى تلك الندوة حديث الدكتور محمد علي، أحد أبناء محافظة المنوفية المقيمين فى الولايات المتحدة.

لم يتحدث عن نجاحه الشخصي، رغم أنه قصة نجاح مكتملة.. سافر شاباً، وحصل على الماجستير والدكتوراه، وحقق نجاحاً مهنياً واقتصادياً، ثم أسس مشروعه الخاص.. لكنه أدرك أن النجاح الحقيقى ليس فيما يملكه الإنسان، وإنما فيما يتركه من أثر.

ولهذا أسس مؤسسة «أمل جديد» فى ولاية نيوجيرسي، ثم نقل رسالتها إلى مصر، ولأنه ريفى ويدرك أهمية الوحدات الصحية فى علاج البسطاء فقد بدأ نشاطه الإنسانى بدعم المستشفيات والوحدات الصحية بالأجهزة والحضانات، وأسهمت جمعيته الخيرية فى رعاية الأيتام، ومساندة الأسر الأولى بالرعاية، وتمويل المبادرات التعليمية والاجتماعية والصحية فى القرى والمحافظات.

هذه ليست قصة رجل أعمال نجح فى الخارج، وإنما قصة مواطن لم يغادره الوطن يوماً.

ولعل أكثر ما يستحق التأمل فى حديثه قوله إن الدولة لا ينبغى أن تنتظر المصريين بالخارج حتى يبحثوا عنها، بل يجب أن تذهب إليهم هي، وتطرق أبوابهم، وتستثمر فى طاقاتهم، وتعيد بناء الجسور معهم.

وربما كانت ملاحظته الأكثر أهمية أن وزارة الخارجية تتحمل أعباء سياسية ودبلوماسية هائلة فى منطقة تموج بالأزمات، وهو ما يجعل ملف المصريين بالخارج يحتاج إلى مؤسسة أو هيئة وطنية متخصصة، تكون مهمتها الوحيدة رعاية هذا الكنز البشري، والتواصل معه، والاستفادة من إمكاناته.

إن ملايين المصريين فى الخارج ليسوا مجرد أصحاب مدخرات، بل هم مستثمرون، وأساتذة جامعات، وأطباء، ومهندسون، ورجال أعمال، وخبراء فى كبريات المؤسسات الدولية. وهم قادرون على فتح أسواق جديدة للمنتج المصري، والترويج للسياحة، والدفاع عن المصالح الوطنية، وتصحيح الصورة الذهنية عن مصر فى العالم، إذا وجدوا من ينظم جهودهم، ويحتضن مبادراتهم، ويعاملهم باعتبارهم شركاء لا ضيوفاً.

على الدولة ألا تترك أبناءها للحنين وحده، بل تبنى معهم علاقة مؤسسية قائمة على الثقة والاحترام والشراكة.

فالوطن ليس مجرد قطعة أرض يعيش عليها الإنسان، وإنما علاقة متبادلة؛ يعطيه المواطن عمره، ويمنحه الوطن شعوراً دائماً بأنه حاضر فى وجدانه مهما ابتعدت المسافات.

ولذلك فإن السؤال الحقيقى ليس: كم مليار دولار يرسل المصريون بالخارج كل عام؟

بل السؤال الذى ينبغى أن يشغل كل مسئول هو: كم مليون قلب ما زال ينبض باسم مصر؟ وكيف نحافظ عليه؟

فهذه القلوب هى الاستثمار الذى لا يعرف الخسارة، وهى الثروة التى لا تنضب، وهى القوة التى لا يمكن لأى دولة أن تشتريها بالمال.

أما المصريون بالخارج، فهم لا يطلبون الكثير… يريدون فقط أن يشعروا بأن الوطن الذى يحملونه فى قلوبهم، يحملهم هو الآخر فى عقله ووجدانه.. فإذا نجحت الدولة فى ذلك، فإنها لن تربح تحويلات مالية فحسب، بل ستربح وطناً يمتد إلى كل بقعة يقيم عليها مصري، وستكتشف أن أعظم صادرات مصر لم تكن يوماً البترول أو القطن، وإنما الإنسان المصرى نفسه.

Khalededrees2020@gmail.com

 اقرأ أيضا– خالد إدريس يكتب لـ «30 يوم»: حين تعلن النتائج في الظلام

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى