شحاتة زكريا يكتب لـ «30 يوم»: صناعة النفوذ.. الوجه الآخر للسياسة
في عالم السياسة لا تقاس قوة الدول بعدد ما تمتلكه من دبابات أو طائرات فقط ولا بحجم جيوشها أو اتساع حدودها بل بما تملكه من قدرة على التأثير في الآخرين وصناعة القرار وتوجيه الأحداث قبل وقوعها. فهناك فارق كبير بين دولة تمتلك القوة ودولة تمتلك النفوذ فالقوة قد تفرض واقعا مؤقتا أما النفوذ فيصنع واقعا جديدا يدوم طويلا.
ولهذا لم يعد السؤال في عالم اليوم: من الأقوى؟ بل أصبح: من الأكثر قدرة على التأثير؟ لقد تغيرت قواعد اللعبة الدولية بصورة غير مسبوقة. فما كان يحسم قديما في ساحات القتال أصبح يحسم اليوم في غرف المفاوضات ومراكز الأبحاث وأسواق المال ومنصات الإعلام وشركات التكنولوجيا العملاقة.
لم تعد السياسة مجرد إدارة للعلاقات بين الدول بل أصبحت فنا معقدا لصناعة النفوذ وإدارة المصالح وتشكيل الرأي العام وإعادة رسم خرائط التأثير دون إطلاق رصاصة واحدة.
إن النفوذ لا يُولد صدفة ولا يشترى بالمال وحده بل يبنى عبر سنوات من العمل الهادئ والاستثمار في الاقتصاد والتعليم والبحث العلمي والثقافة والدبلوماسية والقوة الناعمة.
فالدول التي أدركت مبكرا أن المستقبل لن يكون للأكثر ضجيجا وإنما للأكثر تأثيرا استطاعت أن تحجز لنفسها مكانا في قلب المشهد الدولي حتى وإن لم تكن الأكبر مساحة أو الأكثر سكانا.. ولعل أبرز ما يميز السياسة الحديثة أنها انتقلت من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة صناعة النفوذ فالدولة التي تستطيع أن تجعل الآخرين بحاجة إلى اقتصادها أو تكنولوجيتها أو خبراتها أو موقعها الجغرافي تمتلك أوراقا لا تقل أهمية عن أي ترسانة عسكرية.
النفوذ الحقيقي هو أن تصبح جزءًا من معادلة لا يمكن تجاوزها وأن يكون غيابك عن أي ملف دولي خسارة للجميع.. ومن هنا نفهم لماذا تتسابق الدول على الاستثمار في الموانئ والممرات البحرية وشبكات الطاقة، والذكاء الاصطناعي، والفضاء والاقتصاد الرقمي. فهذه ليست مشروعات تنموية فحسب بل أدوات استراتيجية لإنتاج النفوذ. فكل ميناء يربط القارات وكل خط لنقل الطاقة وكل مركز بيانات وكل شركة تكنولوجية عملاقة أصبح يمثل ورقة سياسية بامتياز.. وفي المقابل لم تعد القوة الناعمة ترفًا ثقافيًا كما كان يُنظر إليها في الماضي بل أصبحت أحد أهم أسلحة السياسة.
فالسينما والإعلام والجامعات، والثقافة، والرياضة، وحتى المحتوى الرقمي باتت أدوات تصنع الصورة الذهنية للدول وتمنحها قدرة على التأثير تتجاوز حدودها الجغرافية. فكم من دولة صغيرة استطاعت أن تحقق حضورا عالميا بفضل قوتها الناعمة بينما أخفقت دول أكبر منها لأنها أهملت هذا الجانب.. غير أن صناعة النفوذ لا تعني الهيمنة ولا تقوم على فرض الإرادة بالقوة وإنما على بناء الثقة، وخلق المصالح المشتركة وتحقيق الشراكات التي تجعل الجميع رابحا. فالعالم لم يعد يحتمل منطق الغالب والمغلوب بقدر ما يبحث عن توازن يحقق المصالح ويحفظ الاستقرار.. وفي منطقة الشرق الأوسط تبدو معركة النفوذ أكثر وضوحا من أي وقت مضى. فالموقع الجغرافي والثروات الطبيعية والممرات البحرية والتحديات الأمنية كلها جعلت المنطقة محورا دائما للتنافس الدولي.
لكن الدول التي استطاعت أن تحافظ على استقرارها وتعزز اقتصادها وتوسع شراكاتها أصبحت أكثر قدرة على حماية قرارها الوطني وأكثر حضورا في دوائر صنع القرار الإقليمي والدولي.. وتدرك مصر هذه الحقيقة جيدا لذلك عملت خلال السنوات الأخيرة على تنويع شراكاتها وتعزيز مكانتها الإقليمية والاستثمار في البنية التحتية والطاقة والموانئ وربط قارات العالم عبر موقعها الاستراتيجي مع الحفاظ على سياسة خارجية تقوم على التوازن وعدم الانحياز إلى الاستقطابات الحادة. فالدولة التي تمتلك قرارها وتبني اقتصادها وتطور مؤسساتها تملك في الوقت ذاته أدوات نفوذها.. ومن الأخطاء الشائعة أن البعض يظن أن النفوذ يُقاس بحجم التصريحات أو حدة الخطابات.
والحقيقة أن السياسة لا تكافئ الأكثر صخبا بل الأكثر قدرة على تحقيق النتائج. فهناك دول لا ترفع صوتها كثيرا لكنها عندما تتحرك تتحرك معها الأسواق وتتغير الحسابات وتعاد صياغة المواقف كما أن النفوذ في العصر الحديث لم يعد مسؤولية الحكومات وحدها بل أصبح تشارك فيه الشركات الكبرى، والمؤسسات المالية، والجامعات، ومراكز الفكر، وحتى الأفراد المؤثرون في الفضاء الرقمي. ولذلك أصبحت معركة التأثير أكثر تعقيدا وأكثر اتساعا لأنها لم تعد تدور داخل حدود الدولة فقط بل عبر شبكة عالمية من المصالح والعلاقات.. ويبقى التحدي الأكبر أمام الدول هو الحفاظ على نفوذها في عالم سريع التغير.
فالتاريخ يعلمنا أن النفوذ لا يبقى لمن امتلكه بل لمن أحسن تطويره وتجديد أدواته. وما كان مؤثرا بالأمس قد يصبح عديم القيمة غدا إذا لم يواكب تطورات العصر.. وفي النهاية فإن السياسة ليست مجرد فن إدارة السلطة بل هي قبل كل شيء فن صناعة النفوذ. والنفوذ الحقيقي لا يُفرض بالقوة وحدها ولا يُبنى بالشعارات وإنما يصنع بالعقل، والرؤية، والاقتصاد، والعلم، والقدرة على تحويل الإمكانات إلى تأثير والتأثير إلى مكانة والمكانة إلى دور لا يمكن تجاوزه.. فالسياسة في وجهها الأكثر عمقا ليست معركة لإثبات من يملك القوة بل سباق دائم لإثبات من يملك القدرة على صناعة المستقبل.
ومن يفهم هذه الحقيقة يدرك أن النفوذ ليس الوجه الآخر للسياسة فحسب بل هو جوهرها الذي تبنى عليه موازين الأمم وتكتب به فصول التاريخ.
موضوعات ذات صلة
شحاتة زكريا يكتب لـ «30 يوم»: الزمن الذي لا يشبه ما قبله
شحاتة زكريا يكتب لـ «30 يوم»: الانضباط.. حين يتحول إلى قوة دولة


