شحاتة زكريا يكتب لـ «30 يوم»: الانضباط.. حين يتحول إلى قوة دولة
هناك لحظات فارقة فى تاريخ الأمم لا تقاس بما شيد فيها من مبان ولا بما تحقق خلالها من أرقام ومؤشرات اقتصادية بل بما ترسخ فى وجدان الإنسان من قيم وسلوكيات فالدول لا تنهض بالحجر وحده وإنما تنهض قبل ذلك بالإنسان الذى يحسن إدارة هذا الحجر ويحترم الوقت ويؤدى عمله بإتقان ويؤمن أن النظام ليس قيدا على الحرية بل هو الضامن الحقيقى لها.
ومن هنا يصبح الانضباط أكثر من مجرد سلوك فردى ليغدو مشروعا وطنيا تتوقف عليه قدرة الدولة على مواصلة البناء وتحقيق التنمية.. وفي عالم يتسابق فيه الجميع نحو المستقبل لم تعد المنافسة بين الدول قائمة فقط على امتلاك الموارد الطبيعية أو الموقع الجغرافى وإنما أصبحت المنافسة الحقيقية على جودة العنصر البشرى.
فالاستثمار فى الإنسان هو الاستثمار الأكثر ربحا والانضباط هو أول مؤشر على جاهزية هذا الإنسان للمشاركة فى صناعة المستقبل.. ولعل التجارب العالمية تقدم شواهد لا تخطئها العين.
فهناك دول خرجت من الحروب مدمرة لا تملك ثروات تذكر لكنها امتلكت شعبًا يؤمن بأن احترام القانون والعمل الجاد والانضباط فى كل تفاصيل الحياة هو الطريق الوحيد للنجاة. وبعد سنوات قليلة أصبحت هذه الدول ضمن أقوى اقتصادات العالم ليس لأنها كانت الأغنى ولكن لأنها كانت الأكثر التزاما.. وفى المقابل لا تخطئ المجتمعات حين تعتقد أن غياب الانضباط مجرد أخطاء فردية بسيطة. فالطريق الذى يغلقه شخص بسيارته والموظف الذى يهدر ساعات العمل والطالب الذى يبحث عن النجاح دون اجتهاد والتاجر الذى يحتكر سلعة والمواطن الذى يلقى القمامة فى الشارع… كلها تبدو مواقف منفصلة لكنها فى حقيقتها حلقات فى سلسلة واحدة عنوانها غياب ثقافة احترام النظام.
الانضباط لا يبدأ عند إشارات المرور ولا ينتهى داخل المؤسسات الحكومية بل يبدأ داخل الأسرة. يبدأ عندما يرى الطفل والده يحترم موعده ووالدته تحترم النظام ويشاهد أن الصدق قيمة وأن الالتزام ليس خوفا من العقوبة وإنما احترام للنفس قبل الآخرين. فالأسرة هى المدرسة الأولى وما تغرسه فى سنوات الطفولة تحصده الدولة بعد عقود.
ثم تأتى المدرسة ليس بوصفها مكانا لتلقين المناهج فقط وإنما مصنعًا حقيقيا لبناء الشخصية. فالتعليم الذى ينجح فى تخريج طالب متفوق علميًا لكنه لا يحترم النظام لم يحقق رسالته كاملة. إن بناء العقل لا ينفصل عن بناء السلوك والانضباط قيمة تربوية قبل أن يكون إجراء إداريا.
كما أن بيئة العمل لا يمكن أن تحقق إنتاجا حقيقيا إذا غاب عنها الالتزام. فالاقتصاد الحديث لا يعتمد فقط على حجم الاستثمارات وإنما يعتمد على ثقافة الأداء. المستثمر يبحث دائمًا عن مجتمع يحترم القانون ويقدر الوقت ويؤمن بالإتقان. ولذلك فإن الانضباط ليس قضية أخلاقية فحسب بل هو أيضا عنصر من عناصر القوة الاقتصادية وجذب الاستثمار.. وفى السنوات الأخيرة قطعت الدولة المصرية خطوات واسعة فى تطوير البنية الأساسية وإنشاء المدن الجديدة وتحديث شبكات الطرق، وإطلاق المشروعات القومية الكبرى. وهذه الإنجازات تمثل قاعدة مهمة للمستقبل لكنها تحتاج فى الوقت نفسه إلى ثقافة مجتمعية تحافظ عليها. فالمبانى الحديثة تحتاج إلى إنسان حديث فى فكره وسلوكه والطرق المتطورة تحتاج إلى قائد يحترم قواعد المرور والمرافق الجديدة تحتاج إلى مواطن يدرك أن الحفاظ عليها جزء من مسؤوليته الوطنية.. إن أخطر ما يواجه أى مجتمع ليس نقص الإمكانات بل التساهل مع الفوضى.
فالفوضى تبدأ صغيرة ثم تتحول مع الوقت إلى ثقافة يصعب اقتلاعها. وعندما تصبح مخالفة القانون أمرا عاديا ويصبح الالتزام محل سخرية فإن المجتمع يدفع الثمن فى النهاية من أمنه، واقتصاده، واستقراره.. وليس المقصود بالانضباط أن يتحول الإنسان إلى آلة جامدة أو أن تختفى روح المبادرة والإبداع بل على العكس تماما. فكل المجتمعات المبدعة قامت على نظام واضح لأن الإبداع لا يزدهر فى الفوضى وإنما يحتاج إلى بيئة مستقرة تحترم الحقوق والواجبات وتوفر تكافؤ الفرص.. ولا تقع مسؤولية نشر هذه الثقافة على جهة واحدة.
فالدولة تضع القوانين لكن الأسرة تغرس القيم والمدرسة تبنى السلوك والإعلام يشكل الوعى والمؤسسات الدينية تعزز الضمير والمجتمع كله يشارك فى ترسيخ فكرة أن احترام النظام ليس خدمة للدولة فقط بل خدمة لكل مواطن يعيش فوق أرضها.. لقد أثبتت الأزمات التى مر بها العالم أن المجتمعات الأكثر انضباطا كانت الأسرع فى تجاوز المحن لأنها تمتلك ثقافة الالتزام والعمل الجماعى بينما دفعت المجتمعات التى استسلمت للفوضى أثمانًا أكبر بكثير.. وفى النهاية…قد تبنى الدولة طريقا فى شهور أو مدينة فى سنوات لكن بناء الإنسان يحتاج إلى صبر وثقافة وإصرار. فالخرسانة تصنع المبانىأما الانضباط فيصنع الحضارة.
ولعل أعظم إنجاز يمكن أن تحققه أى دولة ليس أن تمتلك أعلى الأبراج ولا أكبر المشروعات بل أن تنجح فى غرس قيمة بسيطة فى نفوس أبنائها: أن احترام النظام ليس واجبا تفرضه القوانين بل شرف يفرضه الانتماء.. وعندما يتحول الانضباط إلى ثقافة عامة لا يعود مجرد سلوك يومى، بل يصبح قوة ناعمة تسبق الاقتصاد وتحرس التنمية وتحمى مكتسبات الوطن. فالدول العظيمة لا تبنى فقط بما يملكه أبناؤها من إمكانات وإنما بما يتحلون به من التزام. وعندما يصبح الانضباط أسلوب حياة يتحول تلقائيا إلى قوة دولة لا تهزمها الأزمات ولا تعرقلها التحديات لأنها قامت أولا على إنسان عرف أن نهضة الأوطان تبدأ من احترامه لواجبه قبل أن يطالب بحقوقه.
موضوعات ذات صلة
شحاتة زكريا يكتب لـ «30 يوم»: سؤال لا يريد أحد الإجابة عنه
شحاتة زكريا يكتب لـ «30 يوم»: أشياء صغيرة تغير مصير الأمم



