شحاتة زكريا يكتب لـ «30 يوم»: بين ضرورات الحاضر ورهانات الغد
تعيش الأمم دائما بين زمنين زمن تفرضه عليها تحديات اللحظة الراهنة وزمن آخر تحاول أن تصنع ملامحه قبل أن يأتي وبين ضرورات الحاضر ورهانات الغد تتحرك الدول التي تدرك أن البقاء لا يكون فقط بامتلاك القوة وإنما بالقدرة على إدارة التحولات والاستعداد لما هو قادم.. ولعل أصعب ما تواجهه الدول في المراحل الانتقالية هو تحقيق التوازن بين متطلبات اليوم وأحلام المستقبل.
فالحاضر يفرض حساباته العاجلة بما يحمله من أزمات اقتصادية وضغوط اجتماعية ومتغيرات سياسية بينما المستقبل يحتاج إلى رؤية بعيدة المدى لا تخضع فقط لمنطق اللحظة وبين الاثنين تقف الحكومات والمجتمعات أمام اختبار حقيقي: كيف نحمي الحاضر دون أن نغلق الطريق أمام الغد؟.
في عالم اليوم لم تعد هناك دولة تعيش بمعزل عن غيرها.
فالاقتصاد العالمي أصبح أكثر ترابطا والأزمات أصبحت عابرة للحدود وما يحدث في أقصى مكان يمكن أن يمتد تأثيره إلى مختلف أنحاء العالم. جائحة عالمية أو أزمة طاقة أو اضطراب في سلاسل الإمداد كلها أحداث كشفت أن الدول التي لا تمتلك قدرة على التكيف تصبح أكثر عرضة للضغوط.
ومن هنا تبرز أهمية امتلاك رؤية وطنية تتعامل مع الواقع كما هو، لكنها لا تستسلم له فالدول الناجحة لا تنكر صعوبة الظروف لكنها لا تسمح لهذه الظروف بأن تحدد وحدها شكل المستقبل. إنها تبحث دائمًا عن المساحات الممكنة للحركة وعن الفرص التي يمكن أن تولد من قلب التحديات.. ومصر بحكم موقعها وتاريخها وحجمها تواجه معادلة خاصة فهي دولة تحمل مسؤوليات إقليمية كبيرة وتتعامل مع تحديات اقتصادية واجتماعية معقدة وفي الوقت نفسه تمتلك فرصًا وإمكانات تجعلها قادرة على بناء مستقبل أكثر قوة إذا أحسنت استثمار عناصرها.. فالمستقبل لم يعد يُصنع فقط بالموارد الطبيعية أو الإمكانات التقليدية بل أصبح يُصنع بالمعرفة والابتكار وقدرة الإنسان على التطور.
الدول التي امتلكت عقولا قادرة على الإبداع استطاعت أن تتجاوز محدودية الموارد بينما ظلت دول أخرى أسيرة لما تملكه دون أن تعرف كيف تستثمره.. ولهذا فإن الرهان الأكبر في السنوات القادمة سيكون على الإنسان فكل مشروع تنموي مهما كان حجمه يحتاج إلى مواطن قادر على المشاركة فيه يمتلك مهارات العصر ويؤمن بأن العمل والمعرفة هما الطريق الحقيقي للتقدم. فالتعليم لم يعد مجرد حق اجتماعي بل أصبح أحد أهم أدوات الأمن القومي لأنه يحدد قدرة الدول على المنافسة في عالم سريع التغير.. وفي المقابل فإن ضرورات الحاضر تفرض الاهتمام بالقضايا التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر.
فالتنمية لا يمكن أن تكون مجرد أرقام اقتصادية وإنما يجب أن تنعكس على مستوى معيشة الناس، وعلى جودة الخدمات وعلى توفير فرص عادلة للأجيال الجديدة فالمواطن هو الهدف النهائي لأي مشروع وطني، وليس مجرد رقم في مؤشرات الأداء.. وهنا تظهر أهمية بناء الثقة بين الدولة والمجتمع. فالدول لا تتقدم فقط بقراراتها والمجتمعات لا تنهض فقط بتطلعاتها وإنما بالتعاون بين الطرفين.
فالدولة تحتاج إلى وعي المواطن ومشاركته والمواطن يحتاج إلى مؤسسات تعمل بكفاءة وتستمع إلى احتياجاته وتطلعاته.. إن أكبر خطأ يمكن أن تقع فيه المجتمعات هو النظر إلى المستقبل باعتباره أمرًا مؤجلا. فالغد لا يبدأ عندما يأتي بل يبدأ من القرارات التي نتخذها اليوم.
وكل استثمار في التعليم وكل تطوير في الصناعة وكل خطوة نحو التكنولوجيا وكل اهتمام بالبحث العلمي هو في الحقيقة بناء لبنة في مستقبل لم يأت بعد.. وقد أثبت التاريخ أن الأمم لا تقاس فقط بما تواجهه من أزمات بل بقدرتها على تجاوزها.
فهناك دول خرجت من ظروف أكثر صعوبة لأنها امتلكت رؤية واضحة وإرادة حقيقية وهناك دول فقدت فرصًا مهمة لأنها انشغلت بالخلافات اللحظية ولم تنظر إلى الصورة الأكبر.. إن التحدي أمام مصر وأمام كثير من دول العالم، ليس اختيار الحاضر أو المستقبلبل القدرة على الجمع بينهما فالحاضر يحتاج إلى إدارة حكيمة للمشكلات والمستقبل يحتاج إلى شجاعة في التخطيط والتغيير.
ولا يمكن بناء الغد إذا أهملنا احتياجات اليوم كما لا يمكن حماية الحاضر إذا لم نفكر فيما ينتظرنا بعد سنوات.. وفي النهاية فإن الأمم التي تنجح في كتابة تاريخها هي التي تعرف أن كل مرحلة لها مسؤولياتها. مسؤولية الحاضر أن نعمل بجدية وواقعية، ومسؤولية المستقبل أن نمتلك الطموح والرؤية.
وبين الضرورات والرهانات تتشكل قصة الدول قصة لا يكتبها الحظ وإنما يكتبها الوعي والإرادة والعمل.. فالمستقبل لا يأتي فجأة بل يُصنع خطوة بخطوة. وما بين ضرورات الحاضر ورهانات الغد تظل المعركة الحقيقية هي معركة بناء القدرة على الاستمرار لأن الدولة التي تستعد للمستقبل اليوم هي التي تملك حق اختيار مكانها غدا.


