شحاتة زكريا يكتب لـ «30 يوم»: الزمن الذي لا يشبه ما قبله
لم يعد العالم يتحرك بالوتيرة التي اعتدناها ولم تعد السنوات تقاس بعدد أيامها بل بحجم ما تحمله من تحولات وهناك أزمنة تمر بهدوء وأخرى تعيد كتابة التاريخ. وما نعيشه اليوم يبدو أقرب إلى النوع الثاني زمن يتغير فيه كل شيء تقريبا من خرائط النفوذ إلى أدوات القوة إلى طبيعة الاقتصاد وحتى الطريقة التي تنظر بها الدول إلى أمنها ومستقبلها.
إنه زمن لا يشبه ما قبله ليس لأن الأزمات أصبحت أكثر عددا بل لأن العالم نفسه لم يعد كما كان. قواعد كانت تبدو راسخة بدأت تتآكل وتحالفات ظلت لعقود عنوانا للاستقرار أصبحت أكثر قابلية للتغيير بينما ظهرت قوى جديدة لا تعتمد فقط على الجيوش والأسلحة وإنما على التكنولوجيا والمعرفة والاقتصاد والقدرة على التأثير في العقول قبل السيطرة على الأرض.. ولعل أكثر ما يميز هذه المرحلة أن السياسة لم تعد تدار بمنطق الأمس.
فالدولة التي ما زالت تقرأ الواقع بأدوات الماضي ستكتشف متأخرة أن العالم تجاوزها. أما الدولة التي تدرك أن المستقبل يبدأ من قراءة المتغيرات فإنها تصبح أكثر قدرة على حماية مصالحها وصناعة مكانتها مهما كانت التحديات من حولها.. لقد كشفت السنوات الأخيرة أن القوة لم تعد مفهوما تقليديا. فالدول قد تمتلك أحدث الأسلحة لكنها تعجز عن حماية اقتصادها.
وقد تملك ثروات هائلة لكنها تفتقد القدرة على تحويلها إلى تنمية مستدامة. وقد تحقق نفوذا سياسيا واسعا ، ثم تفقده لأنها لم تستثمر في الإنسان أو في العلم أو في بناء مؤسسات قادرة على الصمود أمام تقلبات الزمن.. لهذا لم يعد الأمن القومي يقتصر على حماية الحدود بل أصبح يبدأ من المدرسة والجامعة ويمر بالمصنع والمزرعة ويصل إلى المختبر ومركز البيانات.
فالعالم الذي يتنافس على الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والطاقة النظيفة والمعلومات يعلن بوضوح أن معارك المستقبل ستحسم بالعقول بقدر ما تحسم بالإمكانات.
وفي خضم هذه التحولات تبرز قيمة الدولة التي تعرف كيف تدير التوازن بين الثبات والتغيير. فالثبات لا يعني الجمود كما أن التغيير لا يعني التخلي عن الثوابت.
والسياسة الرشيدة هي التي تملك القدرة على التكيف مع المتغيرات دون أن تفقد بوصلتها الوطنية أو تنجرف خلف موجات عابرة.. الشرق الأوسط على وجه الخصوص يعيش واحدة من أكثر مراحله حساسية منذ عقود.
فالإقليم لم يعد ساحة لصراع تقليدي بل أصبح ملتقى لمصالح دولية وإقليمية متشابكة تتنافس على الممرات البحرية، ومصادر الطاقة وأسواق التكنولوجيا ومناطق النفوذ.
ولهذا فإن قراءة ما يحدث من خلال عنوان واحد أو حدث منفرد لم تعد كافية لفهم الصورة الكاملة لأن ما يبدو حدثا سياسيا قد يكون في جوهره تحركا اقتصاديا، أو أمنيا، أو استراتيجيا بعيد المدى.
وسط هذا المشهد تتأكد حقيقة أن استقرار الدول لم يعد أمرا عاديا بل إنجازا يحتاج إلى رؤية ومؤسسات وقدرة على اتخاذ القرار في التوقيت المناسب.
فالدول التي تبني اقتصادا متنوعا وتستثمر في الإنسان وتحافظ على تماسك مجتمعها تكون أكثر قدرة على عبور الأزمات لأن لديها ما تستند إليه حين تشتد العواصف.. غير أن أخطر ما قد تواجهه المجتمعات في هذا الزمن ليس الصراع الخارجي وحده وإنما الاستسلام للارتباك الداخلي.
فالتضليل لم يعد يمارس فقط عبر الشائعات بل عبر فيض هائل من المعلومات المتناقضة والتحليلات المتسرعة ومحاولات توجيه الرأي العام بما يخدم مصالح أطراف متعددة.
ولهذا أصبح الوعي أحد أهم عناصر القوة الوطنية وأصبح امتلاك المعلومة الدقيقة لا يقل أهمية عن امتلاك الموارد.. كما أن الإعلام أصبح مطالبا بدور أكثر عمقا من مجرد نقل الخبر.
فالمهنية الحقيقية لا تتجلى في السبق وحده بل في تفسير ما وراء الخبر، وربط الأحداث بسياقاتها ومساعدة القارئ على فهم ما يجري بعيدا عن الإثارة أو التهويل.
ففي زمن تتدفق فيه الأخبار بلا توقف تصبح القراءة الواعية أكثر قيمة من سرعة النشر.. ولعل الدرس الأهم الذي تمنحه لنا هذه المرحلة أن الأمم التي تكتفي بردود الأفعال لا تصنع مستقبلها بل تنتظر ما يصنعه الآخرون لها.
أما الأمم التي تستثمر في التخطيط وتقرأ المتغيرات قبل أن تتحول إلى أزمات فإنها تملك فرصة حقيقية للمشاركة في صناعة الغد لا الاكتفاء بالتكيف معه.
لقد تغيرت أدوات النفوذ وتبدلت أولويات الاقتصاد وأصبحت المعرفة رأس المال الأكثر قيمة وصار الزمن نفسه أكثر سرعة من أي وقت مضى. ولم يعد السؤال: ماذا يحدث؟ بل أصبح: كيف نستعد لما سيحدث؟ فالفارق بين الدول لا يصنعه حجم التحديات وإنما تصنعه جودة الاستجابة لها.. ويبقى المؤكد أن التاريخ لا يمنح فرصًا متساوية للجميع بل يكافئ من يحسن قراءة لحظته.
والزمن الذي لا يشبه ما قبله يحتاج إلى عقول لا تشبه ما قبله أيضا عقول تؤمن بأن المستقبل لا ينتظر وإنما يصنع وأن قوة الدول ليست فيما تمتلكه اليوم فقط بل فيما تعده للغد.. إننا نعيش مرحلة ستبقى حاضرا في كتب التاريخ لسنوات طويلة لا لأنها شهدت أزمات متلاحقة فحسب بل لأنها أعادت تعريف مفاهيم القوة والأمن، والسيادة، والتنمية.
وفي مثل هذه الأزمنة لا يكون الرهان الحقيقي على من يملك أعلى صوت وإنما على من يمتلك أوضح رؤية، وأطول نفس، وأقدر إرادة. فالأزمنة الاستثنائية لا تصنعها المصادفات وإنما تصنعها القرارات الحكيمة والعمل المتواصل والإيمان بأن المستقبل يبدأ من حسن قراءة الحاضر.
موضوعات ذات صلة
شحاتة زكريا يكتب لـ «30 يوم»: الانضباط.. حين يتحول إلى قوة دولة
شحاتة زكريا يكتب لـ «30 يوم»: سؤال لا يريد أحد الإجابة عنه



