نجوى العشيري تكتب: من مستقبل مصر إلى أهرامات النيل.. قانون يصنع اقتصاداً جديداً
تخيّل أن مصر تملك مفتاحاً سحرياً يفتح أبواب التقدم والتنمية، هذا المفتاح هو بالضبط ما يحاول القانون الجديد (رقم 147 لسنة 2026) صنعه من خلال إعادة بناء “جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة”. في الماضي، كان هذا الجهاز يعمل بشكل تقليدي، لكن الآن قرر القانون الجديد أن يأخذه في رحلة تحول كبيرة. فقد أصبح الجهاز هيئة اقتصادية مستقلة تماماً، وتتبع مباشرة لرئاسة الجمهورية. هذا التغيير ليس مجرد تغيير في المسمى، بل هو رسالة واضحة أن مصر تريد الاستثمار بقوة وذكاء.
أجمل ما في هذا القانون هو طريقة تقسيم العمل. بدلاً من أن يتعامل الجميع مع نفس الأموال بنفس الطريقة، قام القانون بإنشاء صندوقين مختلفين تماماً، كل واحد منهما له شخصية ومهمة خاصة. الصندوق الأول هو “أهرامات النيل”، وهو المحرك الاقتصادي القوي. مهمته واضحة وبسيطة: أخذ الأموال واستثمارها بأفضل الطرق الممكنة، سواء داخل مصر أو في الخارج، لكي يعود بأعلى ربح ممكن. تخيّله كمصنع صغير للمال، هدفه زيادة ثروة مصر باستمرار. والجديد هنا هو أن القانون أعطى هذا الصندوق حرية كبيرة، حيث يمكنه في المستقبل أن يضم أو يشتري صناديق أخرى، مما يجعله قوة اقتصادية لا يستهان بها.
أما الصندوق الثاني فهو “داعم”، وهنا تكمن الروعة الحقيقية للقانون! فبينما صندوق “أهرامات النيل” يبحث عن الربح، صندوق “داعم” يبحث عن سعادة المواطن. هذا الصندوق مخصص للخدمات الاجتماعية، فهو يدعم التعليم، والصحة، والإسكان، والثقافة. الأمر الجميل في صندوق “داعم” هو أنه لا يعتمد فقط على ميزانية الدولة، بل يمكنه استقبال تبرعات وهبات من الشركات أو الأفراد الذين يريدون المساهمة في تنمية مصر. هذا يعني أن كل جنيه يُنفق في “داعم” يعود بالفائدة المباشرة على المواطن البسيط.
في الحقيقة، مصر ليست أول دولة تستخدم الصناديق السيادية للتنمية، لكنها تأخذ أفضل الأفكار من الدول الناجحة وتضيف عليها لمستها الخاصة. في سنغافورة، لديهم شركة “تيماسيك” التي بدأت بإدارة شركات الدولة ثم تحولت لمستثمر عالمي ناجح جداً، ومصر تتعلم من تجربتهم في التحول نحو التجارية. وفي ماليزيا، لديهم صندوق “خزانة” الذي يفصل بين الاستثمار التجاري والدعم المحلي، وهذا بالضبط ما فعلته مصر بفصل صندوق “أهرامات النيل” عن صندوق “داعم”. أما السعودية، فتستخدم صندوق الاستثمارات العامة (PIF) لبناء مشاريع عملاقة مثل “نيوم”، ومصر أيضاً تستعد لبناء مشاريع ضخمة في مناطق التنمية المستدامة الجديدة. ما يميز التجربة المصرية هو التوازن الذكي بين جمع الثروة (من خلال أهرامات النيل) وتوزيعها بالعدالة (من خلال داعم). هذا التوازن هو ما يجعل القانون الجديد خطوة ذكية ومدروسة.
القانون الجديد لا يقتصر فقط على صناديق استثمارية، بل يمنح جهاز “مستقبل مصر” مساحات شاسعة من الأراضي ليديرها كمناطق تنمية مستدامة، تمنح فيها تسهيلات خاصة تشبه المناطق الحرة. هذا يعني أننا قد نشهد خلال السنوات القادمة مشاريع جديدة، مصانع، ومدناً متطورة تقودها هذه الصناديق. القانون الجديد هو وعد مصري بأن التنمية لن تكون شعاراً نرفعه، بل أموالاً حقيقية تُدار بذكاء، وعوائد تعود على كل مواطن. الصندوقان “أهرامات النيل” و”داعم” هما المحركان اللذان سيدفعان بهذا الحلم نحو الواقع.
كاتبة المقال .. مهتمة بقضايا الإدارة المحلية والتنمية والوعي الوطني.. وكيل أول وزارة.
اقرأ أيضا – نجوى العشيري تكتب: نتيجة الثانوية… من يملك حق الاختيار؟



