خالد سالم يكتب لـ «30 يوم»: كيف تتعامل الدولة مع المستريح؟
في كل فترة، تطفو على السطح ظاهرة جديدة تحمل نفس الجوهر وإن اختلفت الأسماء، لكنها تظل في النهاية واحدة من أخطر الجرائم الاقتصادية والاجتماعية التي تهدد استقرار المجتمع، وهي ظاهرة “المستريح”. هذا المصطلح الشعبي الذي أصبح متداولًا في الشارع المصري والعربي، يشير إلى الشخص الذي يجمع أموال المواطنين بزعم تشغيلها وتحقيق أرباح خيالية وسريعة، ثم يختفي فجأة تاركًا خلفه آلاف الضحايا والأحلام المنهارة.
المستريح لا يعتمد فقط على الحيلة، بل يستغل حاجة الناس، وطمع البعض في الربح السريع، وثقة المجتمع في العلاقات الشخصية والقرابة والسمعة الظاهرية. وغالبًا ما يبدأ رحلته بتقديم أرباح حقيقية في البداية لكسب الثقة، ثم تتوسع الدائرة تدريجيًا حتى تتحول إلى كارثة مالية وإنسانية.
لقد شهدت مصر العديد من قضايا المستريحين التي هزت الرأي العام، وكان أشهرها قضية “مستريح المواشي” في الصعيد، الذي جمع ملايين الجنيهات من المواطنين بزعم الاستثمار في تجارة الماشية، ثم اختفى تاركًا مئات الأسر في مواجهة الديون والانهيار الاقتصادي. كما برزت قضايا أخرى في تجارة الذهب، والعقارات، وحتى في الاستثمار الوهمي عبر الإنترنت والعملات الرقمية، حيث استغل الجناة التطور التكنولوجي لابتكار أساليب نصب أكثر تعقيدًا.
الدولة المصرية لم تقف مكتوفة الأيدي أمام هذه الظاهرة، بل تعاملت معها من خلال عدة محاور متوازية. أول هذه المحاور هو التحرك الأمني السريع، حيث تقوم أجهزة وزارة الداخلية، بالتعاون مع الجهات الرقابية، برصد تلك الأنشطة المشبوهة وتتبع حركة الأموال وضبط المتهمين قبل توسع نشاطهم أو هروبهم خارج البلاد.
أما المحور الثاني فهو التشريعي والقانوني، إذ شددت الدولة العقوبات الخاصة بجرائم توظيف الأموال والنصب والاحتيال، خاصة في الحالات التي تمس الأمن الاقتصادي للمواطنين. وقد أصبحت هناك رقابة أكثر صرامة على الكيانات غير المرخصة التي تدّعي الاستثمار أو إدارة الأموال دون غطاء قانوني واضح.
المحور الثالث، وربما الأهم، هو التوعية المجتمعية. فالحرب ضد المستريح لا تُحسم فقط داخل أقسام الشرطة أو ساحات المحاكم، بل تبدأ من وعي المواطن نفسه. الإعلام هنا يلعب دورًا حاسمًا في كشف الأساليب الاحتيالية، وتحذير الناس من الانسياق وراء الوعود الكاذبة بالأرباح السريعة، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية التي تجعل البعض يبحث عن أي فرصة لتحسين دخله.
كما أن المؤسسات الدينية والتعليمية مطالبة أيضًا بالمشاركة في هذه المواجهة، من خلال ترسيخ قيم العمل الحقيقي، والتحذير من الطمع والاستسهال، فالكثير من ضحايا المستريح لم يكونوا فقراء فقط، بل كانوا ضحايا حلم الثراء السريع.
إن مواجهة ظاهرة المستريح ليست مسؤولية الدولة وحدها، بل مسؤولية مجتمع كامل. فكل جنيه يُسلَّم دون ضمان قانوني هو مغامرة خطيرة، وكل صمت عن محتال جديد هو مشاركة غير مباشرة في صناعة ضحايا جدد.
الدولة تستطيع أن تضبط وتُحاكم، لكنها لا تستطيع أن تمنع الطمع من التسلل إلى النفوس. وهنا تأتي المسؤولية الأكبر: مسؤولية الوعي.
وفي النهاية، يجب أن ندرك أن الاستثمار الحقيقي لا يقوم على الوعود الشفهية، ولا على الثقة العمياء، بل على القانون والشفافية والرقابة. أما المستريح، فهو دائمًا يبدأ بابتسامة وينتهي بكارثة.
كاتب المقال : خالد سالم – إعلامي .. نائب الامين العام لاتحاد الإعلاميين الأفريقي الأسيوي
خالد سالم يكتب لـ «30 يوم»: المستريح




