نجوى العشيري تكتب: نتيجة الثانوية… من يملك حق الاختيار؟
بعد أيام قليلة، ستُعلن نتيجة الثانوية العامة، وسيتكرر المشهد نفسه في آلاف البيوت المصرية. فرحة في بيت، ودموع في آخر، وارتياح هنا، وقلق هناك. لكن وسط كل هذه المشاعر، يبدأ امتحان آخر… قد يكون الأصعب.
امتحان القرار
وقبل أيام، تناولت في مقال سابق مرحلة الانتقال من الحياة المدرسية إلى بداية تحمل المسؤولية. واليوم، ومع اقتراب إعلان النتيجة، يحين الوقت للحديث عن القرار الذي قد يرسم ملامح حياة إنسان لسنوات طويلة.
الغريب أن الطالب، صاحب المستقبل، قد يكون أحيانًا أقل الحاضرين حديثًا في هذا القرار. يجلس الأب، وتجلس الأم، وتتوالى الآراء. هذه الكلية أفضل، وتلك أكثر مكانة، وأخرى تضمن وظيفة، ورابعة يتمنى الأب أن يرى ابنه فيها لأنها كانت حلمًا لم يتحقق، أو ترى الأم أنها الطريق الأقرب إلى الأمان.
كل ذلك بدافع الحب… ولا أحد ينكر ذلك
لكن الحب، مهما كان صادقًا، لا يكفي وحده لاتخاذ قرار قد يعيش معه الابن أو الابنة بقية العمر.
أعرف أن كل أب يحلم أن يرى ابنه في أفضل مكان، وكل أم تتمنى أن تفتخر بابنتها. وهذا شعور طبيعي، بل هو جزء من أجمل معاني الأبوة والأمومة. لكن يبقى سؤال يستحق أن نتوقف أمامه:
هل ما نحلم به لأبنائنا… هو نفسه ما يحلمون به لأنفسهم؟
قد تكون الإجابة نعم… وقد تكون لا
وهنا تبدأ مسؤوليتنا جميعًا
اختيار الكلية ليس اختيار أربع سنوات من الدراسة، بل قد يكون اختيار أربعين سنة من الحياة. لذلك لا ينبغي أن يكون المجموع هو الصوت الوحيد الذي نسمعه، ولا أن تكون نظرة المجتمع هي البوصلة التي توجهنا.
قبل أن نسأل: “أي كلية يناسبها هذا المجموع؟” لنسأل أولًا: “من هو هذا الشاب؟ وما الذي يبدع فيه؟ وما المجال الذي يستطيع أن يحقق فيه ذاته، ويقدم من خلاله قيمة حقيقية لوطنه؟”
فليس كل طالب خلق ليكون طبيبًا، وليس كل متفوق مكانه الهندسة، كما أن النجاح لا يرتبط باسم الكلية، بل بقدرة الإنسان على أن يحب ما يتعلمه، ويتقنه، ويواصل التطور فيه.
كم من شاب التحق بكلية أبهرت الناس، لكنها لم تشبهه، ففقد شغفه مع الأيام. وكم من آخر اختار طريقًا أحبه، فصار نموذجًا للنجاح، لأن النجاح الحقيقي لا يولد من الضغط، بل من الاقتناع.
الأوطان لا تبنى بتخصص واحد، وإنما تبنى بتكامل التخصصات، وبإخلاص أصحابها. فهي تحتاج إلى الطبيب، والمهندس، والمعلم، والباحث، والمبرمج، والمحاسب، والمزارع، والفني، ورائد الأعمال… فلكل منهم دور لا يقل أهمية عن الآخر.
أحبوا أحلام أبنائكم… كما أحببتم أحلامكم يومًا
ولأن المستقبل سيبقى ملكًا لمن سيعيشه، فإن الحوار داخل الأسرة هو الطريق الأفضل لاتخاذ القرار. أن يستمع الأب، وأن تصغي الأم، وأن يعبر الابن أو الابنة عما يحب وما يجيده، دون خوف أو تردد. فليس هناك قرار أصعب من أن يعيش الإنسان عمره في طريق اختاره له الآخرون، ولا نجاح أجمل من أن يجد نفسه في المكان الذي يشعر فيه بأنه قادر على العطاء والإبداع.
قد تعلن نتيجة الثانوية العامة مجموعًا… لكنها لا تعلن مستقبلًا.
فالمستقبل لا تصنعه الأرقام وحدها، بل يصنعه قرار واعٍ، وشغف حقيقي، وعمل جاد، وأسرة تدرك أن أعظم ما تقدمه لأبنائها ليس أن تختار لهم الطريق، بل أن تمنحهم الثقة ليختاروا الطريق الذي يشبههم.
عندها فقط، لن يكون النجاح نجاح الابن وحده، بل نجاح أسرة أحسنت الإصغاء، ووطن كسب إنسانًا يعمل فيما يحب… ويبدع فيما اختار
“لأن الكلمة قد تغيّر قرارًا… والقرار قد يغيّر حياة.
كاتبة المقال .. مهتمة بقضايا الإدارة المحلية والتنمية والوعي الوطني.. وكيل أول وزارة.



