فن و ثقافةكُتّاب وآراء

الإعلامي خالد سالم يكتب لـ «30 يوم»: الدراما العمودية… ثورة جديدة تعيد تشكيل مستقبل الدراما

يشهد العالم اليوم تحولًا غير مسبوق في صناعة المحتوى المرئي، فلم تعد المنافسة بين القنوات التلفزيونية والمنصات الرقمية فقط، بل ظهرت موجة جديدة تُعرف باسم الدراما العمودية أو المايكرو دراما، وهي شكل درامي صُمم خصيصًا لجيل الهواتف الذكية الذي يستهلك المحتوى بسرعة ويبحث عن التشويق في أقل وقت ممكن.
لقد غيّرت الهواتف الذكية عادات المشاهدة، وأصبح الهاتف هو الشاشة الأولى لملايين البشر، بينما تراجع دور شاشة التلفزيون التقليدية. ومن هنا ظهرت الدراما العمودية المصورة بنسبة 9:16 لتناسب المشاهدة الرأسية على الهاتف، في حلقات قصيرة لا تتجاوز دقيقة أو دقيقتين، تعتمد على الإثارة والتشويق منذ اللحظة الأولى وحتى النهاية.
وتؤكد الأرقام أن هذه الصناعة لم تعد مجرد تجربة عابرة، فقد حققت الدراما العمودية في الصين مليارات الدولارات، وأصبحت استثماراتها تنافس بل وتتجاوز في بعض الأحيان إيرادات السينما التقليدية. كما بدأت كبرى المنصات العالمية في دراسة هذا النموذج وإنتاج أعمال تناسبه، إدراكًا منها لتغير سلوك الجمهور.
ورغم أن هذا النوع من الدراما يعتمد على بساطة الإنتاج وقلة التكلفة، فإنه يفرض قواعد جديدة على الكاتب والمخرج والممثل. فالكاتب مطالب بأن يجذب المشاهد خلال الثواني الأولى، والمخرج مطالب بإيقاع سريع ولغة بصرية مكثفة، بينما يعتمد الممثل على تعبيرات الوجه أكثر من اعتماده على الحوار الطويل.
ومن وجهة نظري، فإن الدراما العمودية ليست بديلًا للسينما أو الدراما التلفزيونية، وإنما هي نوع جديد من الفنون الدرامية يخاطب جمهورًا مختلفًا وظروف مشاهدة مختلفة. فلكل وسيلة إعلامية جمهورها، ولكل جمهور احتياجاته.
لقد خضت بالفعل تجربة الكتابة في هذا المجال من خلال مشروع “نص ونص”، وهو مسلسل ميكرو دراما يعتمد على حلقات قصيرة مكثفة، وهو ما أكد لي أن هذا النوع يحتاج إلى مهارة خاصة في التكثيف والاقتصاد في الحوار، مع الحفاظ على التشويق والرسالة الدرامية.
وأرى أن الإعلام المصري يمتلك فرصة كبيرة للدخول بقوة إلى هذا المجال، خاصة مع وجود كوادر متميزة من الكتاب والمخرجين والممثلين، إلى جانب تاريخ طويل من الريادة الفنية. وما نحتاجه اليوم هو إنشاء منصات متخصصة لإنتاج الدراما العمودية، وتنظيم ورش تدريبية في الكتابة والإخراج والتصوير العمودي، وتشجيع الشباب على الابتكار في هذا المجال.
كما يمكن للهيئة الوطنية للإعلام، وشركة صوت القاهرة، وقطاع الإنتاج، والقنوات الفضائية، أن تتبنى إنتاج أعمال عمودية قصيرة ذات مضمون اجتماعي وثقافي وتوعوي، بما يحقق الانتشار الواسع على المنصات الرقمية، ويصل إلى الأجيال الجديدة بلغتها وأسلوبها.
إن المستقبل لن يلغي الدراما التقليدية، لكنه سيضيف إليها أشكالًا جديدة تواكب تطور التكنولوجيا وسلوك الجمهور. ومن يدرك هذه المتغيرات مبكرًا سيكون قادرًا على قيادة المشهد الإعلامي في السنوات المقبلة.
الدراما العمودية ليست مجرد صيحة عابرة، بل بداية مرحلة جديدة في صناعة الدراما، تستحق الدراسة والتجربة والاستثمار، حتى تظل الدراما العربية حاضرة ومؤثرة في عصر الشاشات الصغيرة.

كاتب المقال : خالد سالم – إعلامي .. نائب الامين العام لاتحاد الإعلاميين الأفريقي الأسيوي.

اقرأ أيضاالإعلامي خالد سالم يكتب لـ «30 يوم»: فليسقط الطابور

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى