شحاتة زكريا يكتب لـ «30 يوم»: سؤال لا يريد أحد الإجابة عنه
هناك أسئلة تطرح بحثا عن إجابة وأخرى تطرح لأن مجرد التفكير فيها يغير طريقة رؤيتنا للعالم. لكن هناك نوعا ثالثا هو الأخطر.أسئلة يعرف الجميع أنها جوهر القضية ومع ذلك يتجنبون الاقتراب منها لأنها تفرض مراجعة قناعات مستقرة أو تكشف مسؤوليات لا يرغب أحد في حملها.. في حياتنا العامة اعتدنا أن ننشغل بما يحدث أكثر من انشغالنا بسبب حدوثه.
نختلف حول النتائج بينما تمر الأسباب الحقيقية بهدوءكأنها ليست جزءا من المشهد نتابع الأزمات لحظة انفجارها ثم ننصرف عنها عندما تهدأ دون أن نسأل: لماذا وصلت الأمور إلى هذه النقطة؟ وكيف كان يمكن منعها قبل أن تتحول إلى أزمة؟ ربما لأن الإجابة ليست مريحة.
فالاعتراف بالأسباب يقتضي الاعتراف بالتقصير والحديث عن الحلول يتطلب استعدادا لدفع ثمنها. ولهذا يصبح الصمت في كثير من الأحيان أكثر راحة من مواجهة الحقيقة.
خذ الاقتصاد مثالا.. عندما ترتفع الأسعار أو تتباطأ معدلات النمو أو تتراجع بعض المؤشرات يتجه النقاش سريعا إلى النتائج المباشرة. لكن السؤال الذي لا يحظى بالاهتمام الكافي هو: هل نبني اقتصادا ينتج ما يستهلكه ويبتكر ما يحتاجه ويؤهل أبناءه للمنافسة في عالم يتغير كل يوم؟ أم أننا ما زلنا نبحث عن حلول مؤقتة لمشكلات دائمة؟ هذا السؤال لا يتعلق بالأرقام وحدها بل بثقافة كاملة.
ثقافة ترى في الإنتاج قيمة وفي المعرفة استثمارا وفي الوقت موردا لا يقل أهمية عن المال. فمن دون هذا التحول تبقى الإنجازات معرضة للاهتزاز مع أول أزمة ويظل الاقتصاد أسيرا لردود الأفعال بدلا من صناعة المستقبل.. وفي السياسة أيضا كثيرا ما نتابع التصريحات ونتوقف عند الخلافات ونحلل التحالفات لكن السؤال الأهم يبقى بعيدا عن العناوين: كيف تبني الدول قدرتها على اتخاذ قرارها بحرية؟ الإجابة لا تبدأ من قاعات المؤتمرات بل من الداخل من اقتصاد قوي ومؤسسات كفؤة وتعليم جيد، ومجتمع يمتلك الثقة في نفسه.
فالقرار المستقل لا يصنعه الخطاب بل تصنعه القدرة.. أما على المستوى الاجتماعي فإن السؤال الذي نتجنبه أكثر من غيره هو: لماذا أصبحت العلاقات الإنسانية أكثر هشاشة؟ هل المشكلة في تغير الزمن أم في تغير أولوياتنا؟ لقد أصبح كثيرون يقيسون النجاح بما يملكون لا بما يقدمون وبما يظهر على الشاشات لا بما يتركونه من أثر.
وبين هذا وذاك تراجعت قيم كانت تمنح المجتمع تماسكه الصدق، والرحمة، والاحترام، والمسؤولية.. وليس معنى ذلك أن الزمن أسوأ من الماضي فلكل عصر تحدياته. لكن الفرق أن سرعة الحياة جعلتنا نطارد الأحداث دون أن نتوقف لتأملها. أصبحنا نستهلك الأخبار أكثر مما نفهمها ونتداول الآراء أكثر مما نراجعها ونصدر الأحكام قبل أن نمتلك الصورة الكاملة.
والإعلام رغم دوره الحيوي يواجه اليوم اختبارا حقيقيا. فالتنافس على السبق لا ينبغي أن يكون على حساب العمق والبحث عن نسب المشاهدة لا يجب أن يطغى على حق الناس في الفهم. المجتمع لا يحتاج فقط إلى من يخبره بما وقع بل إلى من يساعده على إدراك لماذا وقع وإلى أين يمكن أن يقود.. ولعل السؤال الأكثر إلحاحا في عالمنا اليوم هو: هل نستعد فعلا للمستقبل أم أننا ما زلنا ندير الحاضر بعقلية الأمس؟ إن الثورة التكنولوجية، والذكاء الاصطناعي، والتحولات الاقتصادية، والتغيرات المناخية، ليست ملفات مؤجلة بل واقع يفرض نفسه.
والدول التي تتعامل معها باعتبارها تحديات بعيدة قد تجد نفسها بعد سنوات تدفع ثمن التأخر. أما الدول التي تبدأ من الآن في بناء الإنسان وتطوير التعليم، وتشجيع الابتكار، فإنها لا تستعد للمستقبل فحسب بل تشارك في صناعته.. لكن وسط كل هذه الأسئلة يبقى السؤال الذي لا يريد كثيرون الإجابة عنه: ما الذي يمكن أن يقدمه كل واحد منا قبل أن يسأل عما يجب أن يقدمه الآخرون؟ فلا دولة تتقدم بالحكومة وحدها ولا مجتمع ينهض بالمؤسسات فقط. التنمية تبدأ عندما يشعر كل فرد بأن له دورا مهما بدا بسيطا. الموظف الذي يؤدي عمله بإخلاص والمعلم الذي يغرس قيمة قبل أن يشرح درسا والطبيب الذي يرى في مهنته رسالة والصحفي الذي يكتب بضمير ورائد الأعمال الذي يخلق فرصة عمل جديدة… جميعهم يكتبون، من مواقعهم، سطورًا في قصة الوطن.
إن أسهل ما يمكن أن نفعله هو طرح الأسئلة على الآخرين وأصعبه أن نوجه السؤال إلى أنفسنا. لكن المجتمعات التي تملك شجاعة المراجعة هي وحدها القادرة على التصحيح. أما تلك التي تكتفي بتبادل الاتهامات فإنها تدور في الحلقة نفسها مهما تغيرت الوجوه والعناوين.. في النهاية ليست المشكلة أن بعض الأسئلة بلا إجابة بل أن هناك أسئلة نعرف إجابتها جيدا ثم نؤجل الاعتراف بها لأنها تتطلب قرارا أو تضحية أو تغييرا في طريقة التفكير والتاريخ يعلمنا أن الأمم لا تتعثر بسبب نقص الإمكانات وحده بل حين تخشى مواجهة الحقيقة.
لذلك ربما لا يكون أخطر ما يواجهنا اليوم هو تعقيد المشكلات وإنما الاعتياد على الهروب من السؤال الذي لا يريد أحد الإجابة عنه… لأنه يبدأ من المرآة لا من الآخرين.
موضوعات ذات صلة
شحاتة زكريا يكتب لـ «30 يوم»: أشياء صغيرة تغير مصير الأمم
شحاتة زكريا يكتب لـ «30 يوم»: بين ضرورات الحاضر ورهانات الغد




