د.داليا البيلي تكتب لـ «30 يوم»: في ذكرى ملحمة البرث.. لا احتواء يُقصي المخلصين ولا يطمس الحقيقة
ليست بعض المعارك مجرد صفحات في كتب التاريخ، بل تتحول إلى محطات تصنع وعي الأجيال، وتعيد تعريف معاني الشرف والواجب والانتماء. ومن بين تلك المحطات الخالدة، تظل ملحمة البرث علامة فارقة في الذاكرة الوطنية المصرية، نستحضرها كل عام ليس فقط لتخليد ذكرى أبطالها، وإنما لاستيعاب الدروس التي قدموها بدمائهم دفاعًا عن وطنهم.
لقد أثبتت معركة البرث أن أخطر ما يواجه الأوطان ليس فقط السلاح الذي يحمله العدو، بل التهاون في التعامل مع من يستهدف أمن الدولة واستقرارها. فالإرهاب لا يبدأ برصاصة، وإنما يبدأ بفكر متطرف، ويتغذى على الفوضى، ويبحث دائمًا عن أي مساحة ضعف لينفذ منها إلى المجتمعات.
ومن هنا، فإن أعظم ما تعلمناه من البرث هو أن حماية الوطن مسؤولية مستمرة، وأن اليقظة لا تعرف التراخي، وأن مواجهة أعداء الوطن لا تقبل أنصاف الحلول. فحين يتعلق الأمر بأمن الدولة وحياة المواطنين، يصبح الحسم ضرورة، وتصبح القوة الرشيدة التي تحمي الوطن وتحافظ على استقراره ركيزة لا غنى عنها.
لقد وقف أبطال البرث في مواجهة الإرهاب وهم يدركون حجم الخطر، لكنهم اختاروا أن يكونوا السد الذي تتحطم عليه مخططات المتطرفين. لم تكن معركتهم دفاعًا عن نقطة عسكرية فحسب، بل كانت دفاعًا عن كل بيت مصري، وعن حق ملايين المواطنين في أن يعيشوا في أمن واستقرار.
وفي ذكرى البرث، يفرض علينا الوفاء أيضًا أن نتمسك بذاكرة وطنية لا تعرف الانتقائية، وأن نرفض أي محاولات لإعادة تقديم أو تلميع شخصيات أحاطت بمواقفها أو ارتباطاتها السابقة علامات استفهام تتعلق بمرحلة واجهت فيها الدولة المصرية الإرهاب. فالمراجعة الصادقة للمواقف أمر محمود، أما إعادة كتابة التاريخ أو تجاوز حقائق الماضي أو مساواة من ضحوا بأرواحهم بمن اختلفت مواقفهم تجاه الوطن، فذلك لا يخدم العدالة ولا يحفظ ذاكرة الشهداء.
إن سياسة الاحتواء، متى كانت في إطار القانون والمصلحة الوطنية، تظل من أدوات الدولة في إدارة شؤونها، لكنها لا ينبغي أن تكون على حساب تهميش أو إقصاء الوطنيين المخلصين الذين ثبتت مواقفهم في أحلك الظروف، ولا على حساب التقليل من قيمة من قدموا أرواحهم دفاعًا عن مصر. فتكريم الشهداء لا يكون بالكلمات وحدها، وإنما أيضًا بالحفاظ على الحقيقة التاريخية، وصون مكانة المخلصين، وعدم السماح بأن تختلط التضحيات بالمواقف المتناقضة.
واليوم، وبعد سنوات من تلك الملحمة، يدرك المصريون أن التضحيات التي قدمها هؤلاء الأبطال لم تكن من أجل حاضرهم فقط، بل من أجل مستقبل وطن كامل. ولذلك فإن أفضل وفاء لذكراهم هو الحفاظ على وحدة الصف، ودعم مؤسسات الدولة، والوقوف خلف كل من يحمل مسؤولية حماية الوطن، مع ترسيخ قيم الوعي والانتماء ورفض الفكر المتطرف بكل أشكاله.
وفي السابع من يوليو، لا نستذكر البرث باعتبارها معركة عسكرية فقط، بل نستذكرها باعتبارها مدرسة في الوطنية، ورسالة متجددة بأن الأوطان تبقى قوية ما دام فيها رجال يؤمنون بأن الدفاع عنها شرف لا يقبل المساومة.
رحم الله شهداء البرث، وفي مقدمتهم العقيد أركان حرب أحمد صابر المنسي ورفاقه الأبطال الذين ضربوا أروع الأمثلة في التضحية والفداء، وستظل أسماؤهم حاضرة في وجدان المصريين، شاهدة على أن هناك رجالًا كتبوا بدمائهم معنى الوفاء للوطن.
المجد والخلود لشهداء مصر الأبرار.. والرحمة لكل من قدم روحه لتبقى مصر آمنة عزيزة، وليظل علمها مرفوعًا بإرادة أبنائها المخلصين.
موضوعات ذات صلة
د.داليا البيلي تكتب لـ «30 يوم»: وطن النهار… قلبٌ مصريّ ينبض بحب الكويت وطني الثاني




