محمد شكر يكتب لـ «30 يوم»: سنوات الصمت والتغيير.. التاريخ السري لممدوح الليثي وأمير أباظة
إلى روح السيناريست نادر خليفة.. استغرقني الأمر 13 عاما لأقدم اعتذارا عن عدم تصديقك
إلى روح الناقد النزيه مجدي الطيب.. أهديك ما أعلم أنه يشبع روحك بقتال من أجل الحقيقة
يعتقد الأمير أباظة أن ما بيننا شخصي، ولكني لا أراه كذلك على الإطلاق، فما بيننا دقيق ومعقد للغاية، لأن علاقتنا الإنسانية تخطت عقدين من الزمان، واكتشفت مع بداية هذه الأزمة أنها أعمق كثيراً مما يظن أمير أباظة، فهو يرى في الناس درجاتٍ يرتقيها ليصعد إلى قمة زائفة ترضي نرجسيته المفرطة، أما أنا فلا أراه على الإطلاق، لأن مدرسة الوفد القديمة رغم ليبراليتها، علمتني أن أبقى على يسار العالم لا المتحكمين في مقاعدٍ مهترئة، وبكرامة اكتسبناها وزملائي من التصدي للقضايا الكبيرة، كنت أراه مصدراً صحفياً هامشياً، مع ما كان يمدني به من تصريحات يهفو إليها أكثر من حماسي للنقل عنه، فهو يحب الظهور كشخصية تلفزيونية بامتياز، وأنا أحب فيه ذلك لأنه يجعلني أبتسم، أذكر حتى أنه هاتفني يوماً محتجاً على خبر نشر دون صورته لضيق المساحة، ولكنه كان أليفاً مهادناً، يتبع الأستاذ ممدوح الليثي كظله بوداعة مفرطة، يحمل عنه أعباء مواعيده وأعباء أوراقه العديدة، باختصار كان يحمل حقيبته بعد أن توقف عن حمل حقيبة الراحل سعد الدين وهبة منذ رحيله، ورغم إخلاصه في سنوات مبكرة لشخص الليثي، إلا أنه بدأ رحلة الانقلاب عليه في مجلس 2009، وبعد أن تبدد الضباب الذي خلفته عاصفة ثورة يناير، تحولت التسريبات التي تتعلق برئاسة لأكثر من مؤسسة وشغله أكثر من منصب، إلى حملات ممنهجة للتشويه والإزاحة، رغم أن ما كان ينقله أمير أباظة سابقاً لا يزيد عن جلسات نميمة حول المجلس ورئيسه، لهذا كان أمير دائماً في ذيل قائمة اهتماماتي كمصدر صحفي، مع ما امتلكته من مصادر أقوى في الجمعية وغيرها من مرافق الإبداع التي تولى رئاستها ممدوح الليثي.
ولأني كنت يافعاً وقتها أتتبع القضايا الكبيرة بشغف مهني، يثمن خصوصية المصدر من منطلق أخلاقي، فلم أفتش إلا عن معارك كبيرة تمتعني مهنياً وترضي غروري الصحفي، لهذا لم أفضل يوماً صحافة “أين ترعرعت سيدتي”، مع ما منحتني الوفد إياه من حرية في خوض غمار هذه المعارك الكبيرة، فكنت أتتبع المؤسسات والجهات الاعتبارية، وأفتش عن المستندات المتعلقة بها في مختلف أروقة وزارة الثقافة ومواقع صناعة الفن والإبداع، ولدى حتى الآن صناديق كبيرة من المستندات لقضايا ثقافية أكبر، تعيرني زوجتي بما تضفيه من فوضى على المنزل، ولكني أرى فيها تاريخي وانتصاراتي الصغيرة، ومع تقلد الأستاذ ممدوح الليثي عدة مناصب جمعت بين نقابة السينمائيين ورئاسة الجمعية المصرية لكتاب ونقاد السينما، ورئاسة جهاز السينما التابع لمدينة الإنتاج الإعلامي، كان لزاماً أن تجمعنا أكثر من مغامرة صحفية، خاصة وأن الأستاذ ممدوح الليثي كان مقاتلاً شرساً، لا يتوقف عن الرد على التصريح بالتصريح، ولا أذكر متى بدأت المقارعة الإعلامية بالضبط، ولكني تجنبت طوال معاركي في الوفد الحديث عن قضية المرسيدس، التي دفع أمير إلي بأوراقها كاملة ورفضت إعادة نشرها أو الإشارة إليها في مواجهاتي معه في نقابة السينمائيين قبل تولي المخرج مسعد فودة مسؤوليتها، أو في تحقيقات جهاز السينما، فالمرسيدس لم تكن قضيتي، لأنها وقعت في وقت سابق لم أكن فيه صحفياً من الأساس، وربما أراد إحياءها فقط لاستغلالها في الانتخابات التي لم تطح بالليثي ولكنها أطاحت ببعض المحيطين به.
اقرأ أيضًا: وزارة التضامن تبدأ التحقيق في مخالفات الجمعية المنظمة لمهرجان الإسكندرية السينمائي
لسنوات طوال بقي أمير أباظة على الهامش الذي وضعته فيه، فلم يكن يوماً صديقاً مقرباً، ولكنه كان دائم التقرب مني، مع طرحي لبعض المخالفات الإدارية في نقابة السينمائيين بجريدة الوفد، ثم مع المواجهة الأكبر الأستاذ ممدوح الليثي، في قضية أفراد الأمن الذين حصل جهاز السينما على خدماتهم، ضمن صفقة استئجار مرافق مدينة السينما من شركة مصر للصوت والضوء والسينما وقتها، وهي قضية تبنيتها لأن فرد أمن أصبح صديقاً الآن، استوقفني على باب مدينة السينما وطلب مني أن أكتب عن التعسف المالي من إدارة الجهاز الذي يرأسه ممدوح الليثي، بعد أن اقتطع أرباحهم القانونية، وانتهت المواجهة بحصول أفراد الأمن على حكم قضائي تتبعت جلساته جلسة بجلسة، حتى حصلوا على حكم بدفع كامل أرباحهم ومستحقاتهم المالية أو الحجز على مدينة الإنتاج الإعلامي باعتبارها جهة الولاية على جهاز السينما، وبعد مشاركتهم المسار القانوني والكتابة عن كل خطوة، انتهت المعركة بهبوط أسهم مدينة الإنتاج في البورصة المصرية، بعد أن نشرت الوفد عنواني “الحجز على مدينة الإنتاج الإعلامي وبيعها في المزاد العلني”، نعم، أدركت الآن المبالغة في صياغة العنوان، ولكنها شهوة العناوين الضاربة تملكتني وقتها، ولو كتبت الموضوع الآن لفكرت في البورصة المصرية قبل التفكير في توزيع الوفد الذي لم تكن تضاهيه جريدة منافسة وقتها، ولا أنكر أني استمتعت بنصر كبير في مواجهة قانونية قبل أن تكون صحفية، كتلك التي أخوضها الآن، وبعد مماطلات استمرت لعام تقريباً من إدارة المدينة، حصل العاملون على حقوقهم ولم يتم الحجز فعلياً على مدينة الإنتاج الإعلامي.
ورغم رصدي للعديد من الأخطاء الإدارية أو الفنية للأستاذ ممدوح الليثي في مهرجان الإسكندرية السينمائي أو في إدارة ملفات نقابة السينمائيين، لم يكن يعاملني إلا بكل ود، وكلما أراد إنهاء مبارزة أو سجال صحفي حول معركة فنية أو قانونية، كنت أتلقى منه مكالمة يستهلها بمقولة “انت زي عمرو ابني” ثم يمضي في سرد أبعاد المشكلة والتحديات التي تواجهه، لأفاجئ أن الحوار ينتهي بدعائي له بالتوفيق وسداد الخطى مع ابتسامة عرفان على شفتي، فقد كان رجلاً ذكياً برغم قوته، لم يكن عنيداً رغم أنه كان خصماً إعلامياً شرساً، ولكنه إذا ما اصطدم بالقانون لم يكن ليتجاوزه مطلقاً، حتى لو وصفه خصومه بأنه “بيعرف يستف الورق”، وهو ما يوصف به آخرون أكثر فشلاً الآن، هه، هي طبيعة المصريين التي تميل لتفسيد المناصب والطعن في الانضباط الحكومي والمؤسسي، لهذا أدرك الآن أني لم أنتصر على ممدوح الليثي يوماً، فكلاً منا قام بواجبه المهني بغض النظر عن النتائج، فقد كان حكيماً متوازناً يقوم بعمله حتى لو شابه قصور، ويحتوي ما نثيره من زوابع إعلامية بحماسة يافعة، ولكن كل حملة اعتبرتها انتصارا لذاتي الصحفية وقتها، لم تنفصل عن محاولات استغلال لهذه الضربات من أطراف أخرى، وهو ما لاحظه أمير أباظة وقت أن كان عضوا في مجلس إدارة الجمعية، تابعاً لمجلس الليثي المهيب، فتارة يضع الأستاذ في يده مفتاح الكرار وأمانة الصندوق، وتارة يجعله سكرتيراً للمجلس الموقر، ولكنه كان متطلعاً إلى قمة تشبث بها لنحو أربعة عشر عاماً، فطلب دعمي في مواجهة الليثي قبل الانتخابات، وهو ما قمت به بالفعل، لا انحيازا شخصيا لأمير، بل لمجلس انتصر فيه جيل الوسط عددياً، وإيماناً بفكرة تداول المناصب وفق المهارات لا المكانة، فأنا لا أعبد الأصنام، وكنت بالفعل معترضا على إدارة الليثي للجمعية والمهرجان، رغم اكتشافي متأخراً أنه كان يوازن بين ما هو فني وما هو تجاري، وقبل سنوات معدودة حاولت دفع أمير أباظة إلى تبني استراتيجية الليثي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه ولكنه أبى إلا أن يمتطي صهوة عناده.
اقرأ أيضًا: ختام مبهج بمهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط
ولأنه لا يمتلك ذائقة ناقد، ولا يتمتع بحضور صحفي، مضى أمير أباظة يجتر ما تناقله سمعاً من كبارٍ التصق بهم بحكم المناصب الإدارية التي تولاها في مهرجاني القاهرة والإسكندرية، واقتصر أغلبها على إدارة المركز الصحفي، أو تسكين ضيوف المهرجان، لهذا فعلى مدار عقدين التقينا خلالهما مئات المرات في أروقة مهرجاني القاهرة والإسكندرية، لم أضبطه متلبساً يوماً بالانخراط في أي عمل فني يخص أعمال المهرجان ولو بمشاهدة فيلم أو إعداد برنامج لمسابقة، لهذا تجده يضع العناوين الكبيرة ولا يجيد التخطيط للتنفيذ، ويسقط الفعاليات، ثم يتجاهل الاعتذار معتمداً على نعمة النسيان، وهو مالم يظهر وقتها لأنه لم يختبر، إلا بعد دعمي لقائمته في انتخابات 2013، لتنجح أخيرا محاولاته الانقلابية التي بدأت منذ 2009، وفي كلا المجلسين دعمته بحملة صحفية طالبت بالتغيير، ونالت من ميراث الليثي، وهي الحملات التي لم يتذكرها بعد بضع سنوات، ولم أذكره بها حينما قرر استبعادي من تغطية المهرجان، بعد أن عنونت موضوعاً في الوفد بـ”فوضى غير خلاقة في مهرجان الإسكندرية السينمائي”، ما أثار حفيظته واتخذ قراراً باستبعاد كل من انتقد إدارته، وهذا الكل وقتها كنت أنا والراحل الكبير الأستاذ مجدي الطيب، الذي لم يهادنه قط، وانتقد الكثير من سقطاته، ولكنه كان أكثر حكمة مني، لأنه امتنع عن الكتابة عن المهرجان بعد أن منع من المشاركة، ولكن عنادي ساقني للسفر على نفقتي الخاصة، رغم ضعف ما كنت أتقاضاه من جريدة الوفد التي لا تقيّم بالمال، بل بمهنية جعلتها تتسيد المشهد الصحفي لعقود، وجعلت من صحافييها مقاتلين على جبهة الحقيقة.
ولثلاث دورات متتالية كنت أوصل زوجتي إلى فندق المهرجان للقيام بمهامها الصحفية لجريدة الشروق، وأذهب للبحث عن غرفة في أحد الفنادق القريبة، بعد أن رفض أمير إقامتي في فندق المهرجان على نفقتي الخاصة بحجة عدم توافر غرف، وهي محاولة لم أكررها في العامين التاليين، وعاماً تلو العام كان أمير يتفجر غيظاً مما أكتب، بلا خجل مما جنته يداه في حق المهرجان، وبمجرد انقضاء التغطية المستقلة الثالثة بنحو شهرين، تلقيت مكالمة من الزميل محمد يوسف وكان عضواً بمجلس الإدارة وقتها، طلب مني فيها سداد اشتراك الجمعية عن الثلاث سنوات الماضية، وحذرني من إمكانية قيام أمير بشطبي من كشوف الجمعية العمومية، ولأني أردت تفويت الفرصة عليه، ذهبت وفق موعد حددته مع محمد يوسف، واكتشفت فخاً بعد دقائق من وصولي، حينما جالسني محمد يوسف والدكتور سمير فرج الذي فوجئت به في انتظاري، وتحدثا معي في مصالحة مع أمير فرضخت لضغوطهما وجلسنا سوياً، وكعادته ألقى بمسئولية قرار استبعادي والأستاذ مجدي الطيب على زميل في مجلس الإدارة، وحين عاتبت الزميل بعدها نفى كل ما قاله أمير، فصدقته.
عودتي لتغطية المهرجان من جديد بدعوة رسمية من إدارته، تزامنت مع توقيعي إجازة بدون مرتب من الوفد، لمنح وقت أكبر لتجربتي الإعلامية في قناة “إكسترا نيوز”، مع تردي المناخ العام والتراجع الذي ضرب المهنة، لهذا لم أكتب عن الدورة التي تلت المصالحة، وربما هذا ما طمأنه بأن هناك ثمة تغير في مواقفي، وهو أمر شعرت به ولم أصححه له، خاصة وأني كنت أدرك هدفه الوحيد من محاولة استقطابي، وهو تخطي مخالفة ارتكبها في حقي وحق المجلس السابق، بعدم تصعيدي لأشغل موقع الناقد طارق الشناوي في مجلس الإدارة، بعد أن تقدم باستقالته عقب اختياره ضمن اللجنة النوعية للسينما التابعة للجنة العليا للمهرجانات في نهاية 2018 أو بداية 2019 إن لم تخني الذاكرة، وأراد طارق الشناوي تفعيل استقالته بمجرد تقديمها ليتجنب اتهامه بتعارض المصالح، وهي معلومة أخبرني بها الشناوي مبكراً، ولكن الأمير أباظة كتم نبأ الاستقالة وعلقها لعامين، حتى أجبر على إلحاقي بالمجلس مع قرب انتخابات انتظرها الجميع لعشر سنوات تقريبا، فكان لزاما على الأمير أباظة تصعيدي لأشغل المقعد الفارغ باستقالة الشناوي، ورغم علمي بما يخطط له وصمتي عنه ترفعاً عن مقعد لم أكن أرغب فيه، إلا أنه أخبرني مضطراً بعد مرور دورة المهرجان بدون مشاكل، خاصة وأني ساعدته في تحرير نشرة المهرجان بعد انسحاب رئيس تحريرها الناقد محمد الشماع لخلافات مع أمير، لأعمل منذ انضمامي للمجلس على سد ثغرات تركها خلفه، وإصلاح كوارث كادت أن تسقط الدورات من 2021 وحتى 2023، مستفيداً من هدوء غير معهود منه، واهتمام بمقترحات إصلاحية طرحتها رغم عرقلته لكثير منها فيما بعد، وهو ما كان ملغزاً بالنسبة لي، ولكني تعاملت معه بحسن نية لا تخلو من حيطة، ودعمت كل ما يتناسب مع قناعاتي رافضاً ما دون ذلك على الملاْ.
كنت أرى في التحاقي بالمجلس منذ ترشحي لانتخابات التجديد النصفي قبل أكثر من 10 سنوات، هدفاً واحداً يتمثل في دعم الكيان ومواجهة مخربيه، ولم تكن انتخابات التجديد النصفي لمجلس العشر سنوات عادية، مع انتفاضة عدد غير قليل من السينمائيين لخوض غمارها، في محاولة تصحيح مبكرة التف عليها بترتيب قوائم متنوعة واحتواء الجميع على إنهم من قائمته، حتى أنه شجع أكثر من 10 أعضاء وازنين في الجمعية العمومية على خوض الانتخابات، فقط ليستفيد من تفتيت الأصوات والحفاظ على الكتلة التصويتية لقائمته السرية، وهو ما حدث معي أيضاً في هذه الانتخابات، بعد أن دفع أمير أباظة إلي وقتها بشخص أوهمني بمعارضته لأمير أباظة وسياساته التخريبية، واستفاد بمنحي إياه أصواتاً ائتمنتني عليها كتلة الجمعية في الإسكندرية، بعد أن رفض أستاذنا الكبير سامي حلمي الترشح مجدداً لمجلس الإدارة، ووقتها حمل إلي الراحل الكبير عادل المنسي توكيلا من نحو 14 صوتاً وكان رقماً مؤثراً، مثّل نحو 30% من نسبة الأصوات المطلوبة للفوز، ومنحها الراحل الكبير ومن أوفدوه بطيب نفس وثقة في شخصي لقائمة حددتها وفق تقييمات مهنية وأخلاقية، ولم يراجعني فيها أحد منهم حتى الآن، وكان من بين من دعمتهم بهذه الأصوات الشخص الذي تحدثت عنه، ليفوز هو وأخسر أنا بفارق خمسة أصوات فقط، وهو الأمر الذي كرره في انتخابات 2023، والتي وفقت فيها فقط لأني أجريت أكثر من 150 مكالمة هاتفية ناقشت فيها أعضاء الجمعية العمومية في أزمات الجمعية والمهرجان، وطرحت عليهم ما يمكنني القيام به لتحقيق تغيير حقيقي، وهي المكالمات التي منحتني ثقة نحو 70 صوتاً من بين جمعية عمومية لم تكن تضم وقتها أكثر من 180 عضواً، قبل أن يدفع إليها خلال العامين الماضيين بالعشرات من أنصاره في اتحاد الكتاب ومواقع أخرى لا علاقة لها بالسينما.
والغريب في انتخابات 2023، أنها لم تشهد صداماً بيني وبين أمير، رغم عتابه لأسماء اعتقد أنها تتبعه واكتشف تصويتهم لشخصي المتواضع، ولأن أمير كان ملتزما بعدم إثارة حفيظتي لعامين قبل الانتخابات، ولعدة أشهر بعدها، تنفيذاً لاتفاق اشترطت عليه فيه منذ التحاقي بالمجلس السابق، أن يشاورني فيما يتخذ من قرارات تجنباً للصدام، ورضخ لهذا رغبة منه في عدم إثارة أزمات قبل عقد الانتخابات الجديدة، ولكنه استعاد طبيعته بمجرد انتهاء الانتخابات، فأعلنت ما أجلته طمعاً في إصلاحه بوجوب الإطاحة به من رئاسة المهرجان، رغم أن الأولى كان الإطاحة به من رئاسة الجمعية قبل تشكيل المجلس الحالي، ولكن ذلك لم يتم بعد رفض الدكتورة غادة جبارة عرضي بالترشح لرئاسة مجلس إدارة الجمعية، وهو العرض نفسه الذي رفضه السيناريست مجدي صابر، كما أن فكرة ترشيح اسم آخر استوجبت حلفاء لم أجدهم في المجلس، بعد أن استبق أمير الاجتماع الأول الذي عقد في نقابة السينمائيين، باجتماع أصغر في مقر الجمعية، حاول إقناعي وغيري خلاله بالتصويت لاختيار الإذاعي الكبير إمام عمر نائباً لرئيس الجمعية، رغم علمه بما يمر به من ظرف صحي صعب، منعه من التفاعل مع هذا المجلس منذ انتخابه، وهو الترتيب الذي امتد إلى مناصب أخرى أتحفظ على ذكرها، ولكني أفسدت ذلك لا كرهاً لقيمة كبيرة يمثلها إمام عمر، ولكن لأن منصب نائب رئيس الجمعية يمنح صاحبه نفس اختصاصات رئيس الجمعية التي أراد منحها لرجل لا يقوى على مغادرة فراشه، وهو ما منعته بالتصويت للسيناريست مجدي صابر بشكل شبه علني، وكما اكتشف الجميع يوم الانتخابات أن أمير هو من دفع بكل هذا العدد من المرشحين لتفتيت الأصوات، ومنح كل كتلة قائمة مختلفة وجميعها تتضمن اسمه واسم من حرص على وجودهم معه، وأغلبهم قامات كبيرة طالما استغلها لتعويض ضعف علاقاته بقيادات ثقافية أو حكومية، وما يؤكد هذا اكتشافي أنه من ألح على الدكتورة غادة جبارة للترشح في الانتخابات الأخيرة، وكذلك الإذاعي الكبير إمام عمر، والدكتور سمير فرج، لأن جميعهم يمثلون حصناً لإدارته قبل اكتشاف الجميع أنها لم تكن يوماً إدارة رشيدة.
ولأن أمير سأل قبل أيام عما فعلته للجمعية والمهرجان خلال ثلاث سنوات داخل مجلس الإدارة، وهو سؤال غريب من رجل لم يمنحني منصباً أو يسمح لي بتنفيذ نشاط، أو حتى يحترم القانون بتشكيل لجان الجمعية، ولكني سأجيبه بجملة واحدة، وهي أن ما فعلته به في مواجهتنا الأخيرة منذ تحداني وتقول على شخصي وغيري من معارضيه، يمثل الإنجاز الأكبر الذي خرجت به من هذا المجلس، ورغم إجابتي السابقة فلن أجاريه فيما يريد، وسأذكر فقط ما منعني من القيام به خلال المجلس بالمخالفة للقانون.

ففي الاجتماع الأول للمجلس المنعقد في 12 مارس 2023، طلبت من واقع محضر اجتماع مجلس الإدارة، دعوة كافة المرشحين الذين لم يحالفهم الحظ في الانتخابات المنقضية، لمناقشة مشروعاتهم وبرامجهم رغم عدم حماس أمير لذلك، وبالفعل وجهت الدعوة لكل الزملاء والأساتذة المرشحين وحضر الجميع باستثناء 4 أسماء من بين نحو 20 مرشحاً سابقاً، وعقد المجلس اجتماعاً معهم، وتسلمت منهم برامجهم التي تقاطع بعضها مع أفكار طرحتها مسبقاً، وتوصلنا إلى رؤية كاملة لتنفيذ هذه المشروعات تباعاً، وهو مالم يحدث حتى الآن، لأنه عمل على قتل كل مقترح بعيداً عن صاحبه، وفي الجلسات المغلقة لمجلس الإدارة، بحجة عدم توافر الموارد المالية، رغم إهداره الكثير منها على فعاليات صورية لا تصب في صالح المهرجان أو الجمعية، ورغم مطالبتي بتشكيل لجان المجلس وتنازلي عن الترشح لأي منصب في الجمعية أو المهرجان منذ الاجتماع الأول، مشترطاً مقابلاً لهذا التنازل، والمقابل الوحيد الذي طلبته وقتها كان تشكيل لجنة لتنمية الموارد، تبدأ عملها بتأسيس بنية رقمية للجمعية والمهرجان، وتأسيس مواقع إلكترونية ومنصات تواصل اجتماعي لاستغلال ما يملكه المهرجان من تاريخ في الترويج لحاضره المظلم، إلا أن هذه اللجنة التي شكلت برئاسة الدكتور سمير فرج وعضوية محمد شكر ومحمد هنداوي لم تجتمع قط، ورغم اقتراحي تأسيس مركز للتدريب تابع للجمعية يقوم بتقديم ورش يمكنها المساهمة في استعادة دورها، ومد صندوقها ببضعة آلاف من الجنيهات بدلاً من الاعتماد على اقتطاع جزء من ميزانية المهرجان المحدودة لدعم احتياجات الجمعية بالمخالفة للقانون، إلا أنه رفض ذلك بحجة عدم توافر 15 ألف جنيه، وهو كامل ما طلبته وقتها للعمل على هذه الأفكار، مع جهود تطوعية مني ومن زملاء في الجمعية العمومية.
ومما سبق أحب أن أؤكد أن الأمر الوحيد الذي امتلكت القدرة على تحقيقه في هذا المجلس هو ملاحقة أخطاء أمير أباظة وانتزاع حقوق مالية لبعض العاملين في دورات المهرجان المختلفة أو حتى الحاصلين على جوائز دوراته، وأذكر أن أزمة المخرج محمد عادل حسان الذي تملص أمير من منحه قيمة جائزته في مسابقة شباب مصر بالدورة الـ41 ليست الأولى من نوعها، فأول من حصل على جائزة أحمد الحضري كان المخرج السكندري محمد سحيو، الذي طارد أمير لعدة أشهر ليحصل على قيمة جائزته، وحينما طلب مني التدخل أجبرت أمير على منحه قيمة الجائزة بعد نقاش عاصف امتد لاجتماعين متتاليين، وتهديد باتخاذ مسارات قانونية دفعته للتأكيد أنه سيمنحه المال من جيبه الخاص، وهو ما علقت عليه بأنه أمر لا يعنيني لأن عليه تحمل مسئولياته، وبالفعل قام بمراسلة المخرج ومنحه حقه المادي بعد أن انتقص من حقه الأدبي بمجاملة فيلم آخر، إضافة إلى استقطاع ضرائب اكتشفنا أنه لم يسددها لمصلحة الضرائب وفق ملاحظات المحاسب القانوني، كما قاتلت للحصول على أجور زهيدة لصحفيين كبار عملوا في المركز الصحفي ونشرة المهرجان، وباستثناء ما رفضت الزميلة إنجي سمير الحصول عليه وقتها، فقط لتهرب من المهرجان ورئيسه، حصل كل من عمل تحت إشرافي أو لجأ إلى على حقوقه المادية، ولكني اكتشفت مؤخراً أن هناك أسماء ما زالت تدين المهرجان والجمعية، من بينها الزملاء والأساتذة زياد فايد، وغادة شاهين، ومحمد يوسف، ومحمد المالحي، وسهير عبد الحميد، وتامر طه، ومحمد عبد المنعم، ومحمود الجبالي، وغيرهم، لأنه ساوم البعض على ما له مقابل دعوة لحضور المهرجان، واستغل تحرج البعض من المطالبة بألفي جنيه تمثل أجر الصحفي العامل في المهرجان، أو الترويج لتسوية الميزانيات ومرور الوقت بما لا يسمح له باستخراج أجور عمل أصحابها في المهرجان بما يوازي أضعاف قيمتها الفعلية، رغم اكتشافنا قبل شهرين فقط أنه لم يسو إلا ميزانية 2023/2024 عن العام المالي الأول للمجلس الحالي، لهذا زهد أغلبهم فيما يلقيه إليهم من فتات بلا احترام لجهد زملائه، وهو ما لا يمكنهم الطعن عليه، مع تعمده عدم توقيع عقود عمل لكافة موظفي المهرجان بالمخالفة للقانون 149 لسنة 2019.
والآن وبعد مرور كل هذه السنوات من الشد والجذب، تعجل أمير نهايته كواحد من المحسوبين على منظومة العمل الثقافي، بتجبره على الجميع ومحاولة فرض الأمر الواقع طوال الوقت، مستفيداً من جهل أغلب أعضاء مجلس الإدارة بقواعد العمل الأهلي، ما دفعني لدراسة هذه القوانين بهدف تهدئة ظنون جالت بخاطري وتحولت إلى حقائق رويداً رويداً، لهذا فأنا مدين باعتذار تأخر 13 عاما للكاتب والسيناريست الراحل نادر خليفة، الذي واجه أمير أباظة في صراع قانوني مبكر بدأ في عام 2013 وامتد حتى انسحابه من الجمعية لأسباب يعرفها الجميع وأتحفظ على ذكرها الآن، ولكنه بادر برفع دعوى قضائية على أمير بصفته رئيس مجلس الإدارة، بعد اكتشافه مخالفات خلال توليه منصب أمين صندوق الجمعية، وهي القضية التي لم ألتفت إليها وقتها، لتصوري أن التحرك القانوني لا يمثل أكثر من نكاية في جيل الوسط، مع احتساب نادر خليفة على الجيل السابق، وهو ما أكده أمير لي بشكل استباقي، ولثقتي في حراكه وزملائه من الجيل الذي راهنا عليه، تجاهلت الكتابة عن القضية أو حتى متابعة تطوراتها، حتى نجح أمير في الإطاحة بنادر خليفة والكاتب الراحل مصطفى محرم الذي تقدم باستقالته بعد صدام لرفض التهميش الذي فرضه عليه أمير أباظة، قبل أن ينفرد بالمجلس بعد أن قضى على أي وجود للجيل السابق، والتفت إلى جيل الوسط ليقصيهم واحداً تلو الآخر، ويحكم قبضته على الجمعية التي تكون مجلسها السابق من 13 عضواً، حتى أنه كان يجد صعوبة في إكمال النصاب القانوني لاجتماعات المجلس، وهو ما دفعه خلال توفيق أوضاع الجمعية تطبيقا لقانون العمل الأهلي الجديد، إلى تقليل عدد اعضاء مجلس الإدارة إلى 11 عضوا بدلاً من 13 في المجلس السابق، لهذا فأنا أهدى هذا الجهد لروح المقاتل الأول من أجل الإصلاح، السيناريست الراحل الأستاذ نادر خليفة الذي لم أخذله عن علم، كما أهديه لرفيق المنفى في السنوات الثلاث التي أبعد فيها عن مهرجان ساهم في صنع تاريخه، الأستاذ مجدي الطيب الناقد السينمائي الذي احترف القتال ضد كل زيف على الساحة السينمائية لروحهما السلام.
وفي ختام هذه الثرثرة التي لا تعني أحدا غيري وأمير أباظة والأستاذ ممدوح الليثي رحمه الله، أؤكد أننا مسؤولون حتى لو امتلكنا عذراً لسلبيتنا وعدم انخراطنا في ممارسات أضاعت تراثنا الكبير، والآن ليس علينا سوى الحوار والاحتكام للقانون والمحددات الفنية لأي عمل نقوم به، وبالنسبة لأمير فكما كنت عاملاً مساعداً لانقلابه على ممدوح الليثي، أشعر بواجبي تجاه تصحيح أخطائي بإسقاط هذا الرجل، رغم أن موقفي منه ليس شخصياً كما يروج، بدليل أني مستعد لقبول استقالته من المجلس الآن، ووقف هذه المعركة التي بدأها بمنشور فيسبوكي واحد، وجرت عليه ما لا قبل له به، فمصالحتي مع أمير وفق محددات ذكرتها لحكماء الجمعية سابقاً، مشروطة بعدم التنازل عن المسار القانوني الذي اتخذته، كذلك بعدم عودته للانخراط في الجمعية والمهرجان بعد تخريبه لهما، لهذا أقول له بلا مواربة قوة الرجل في المواجهة والحوار، لا في الهروب وتحميل الآخرين مسئولية فشله، فأنا تحملت مسؤوليتي واتخذت الموقف الذي يرضي ضميري في كل قضية تعرضت لها، معترفاً حتى بأخطائي التاريخية، واعتذاري عنها أمر لا يقلل مما بذلته بنوايا طيبة لخدمة العمل الثقافي في مصر، ولا أنكر أني أردت أيضاً صناعة اسمي كصحفي في جريدة بحجم وتاريخ الوفد، ولكني لم أنحز يوماً لظالم، أو أتقرب من مسئول لغرض شخصي، ولم أتربح بوظيفة أو مكافأة، رافضاً رشاوى يشهد زملاء السلاح في جريدة الوفد عليها، فأنا لم أكن يوماً الرجل الذي يمكن أن يستهدف أحداً لغرض أو منفعة، لهذا دعمت الصغار حتى وإن كبروا وتنصلوا، آمنت بالقضايا الكبيرة وساندت أصحابها بلا مصلحة، تسامحت مع من انقلب ليحظى بفرصة، أو باع مبدأً بوظيفة، لأني أرى الحياة خيارات لا يجب أن نفرضها على بعضنا البعض، فأنا اخترت أن أعيش بلا رياء، ولم أكن لأتهم غيري بذلك، فكلنا مرجعنا إلى الله، هو وحده من يحاسب خليقته على ما تسر النوايا.
موضوعات ذات صلة
محمد شكر يكتب لـ « 30 يوم » : ترامب يهادن السيسي ويلوح بـ النيل لتمرير مجلس غزة




