شارك الدكتور أحمد شريف، الباحث في استراتيجيات التسويق وبناء العلامات الشخصية، محاضرًا في فعاليات مؤتمر Ganna–Dirmas Conference – Guidelines in OB/GYN، الذي أُقيم يوم 23 أكتوبر 2026 بفندق سميراميس إنتركونتيننتال بالقاهرة، بمشاركة نخبة من أساتذة الجامعات واستشاريي وأخصائيي أمراض النساء والتوليد.
وجاءت مشاركة الدكتور أحمد شريف من خلال محاضرة بعنوان «The Power of Personal Branding in OB/GYN»، تناولت أهمية إعادة النظر في استراتيجيات التسويق الطبي التقليدية، مع التركيز على دور المسؤولية المجتمعية والمبادرات الصحية في بناء السمعة المهنية وتعزيز الثقة المتبادلة بين الأطباء والمرضى.
من الإنفاق الإعلاني إلى الاستثمار في خدمة المجتمع
استعرض الدكتور أحمد شريف خلال المحاضرة التحديات التي تواجه الأطباء في تسويق خدماتهم الطبية، مشيرًا إلى أن الاعتماد المتكرر على المنشورات التثقيفية والفيديوهات القصيرة والإعلانات الممولة والظهور الإعلامي قد يحقق انتشارًا رقميًا واسعًا، لكنه لا يضمن بالضرورة زيادة مماثلة في أعداد المرضى أو بناء سمعة مهنية مستدامة.
وأوضح الدكتور أحمد شريف أن المشكلة لا تكمن في وسائل التسويق الرقمي ذاتها، وإنما في الاعتماد عليها باعتبارها المسار الوحيد لبناء العلامة الشخصية للطبيب، دون البحث عن أساليب مبتكرة تحقق قيمة حقيقية للمجتمع.
وفي هذا السياق، طرح الدكتور أحمد شريف رؤية تقوم على إعادة توجيه جزء من الميزانيات التسويقية نحو تنفيذ مبادرات صحية ومجتمعية مجانية أو منخفضة التكلفة، بما يساهم في إتاحة الرعاية الصحية للفئات الأكثر احتياجًا، وفي الوقت نفسه يتيح للطبيب بناء علاقات قائمة على الثقة والتجربة الفعلية بدلًا من الاكتفاء بالرسائل الإعلانية.
وأكد أن خدمة المجتمع يمكن أن تمثل أحد المسارات الفعالة لبناء العلامة الشخصية المهنية، عندما تكون جزءًا من استراتيجية مستمرة تستهدف تقديم خدمات طبية حقيقية وتلبية احتياجات صحية واضحة.
فوائد متعددة للمبادرات الصحية المجتمعية
وسلّط الدكتور أحمد شريف الضوء على الفوائد المتبادلة التي يمكن أن تحققها المبادرات المجتمعية، سواء بالنسبة إلى المرضى أو المجتمع أو المؤسسات الطبية والأطباء المشاركين.
فعلى المستوى المجتمعي، تسهم حملات الكشف المبكر والفحوصات الطبية والتوعية الصحية في تحسين فرص الوصول إلى الخدمات، وزيادة الوعي بالأمراض، وتشجيع السيدات على إجراء الفحوصات والمتابعة الطبية في الوقت المناسب، خصوصًا في المناطق والفئات التي تواجه صعوبات في الحصول على الرعاية الصحية.
كما يمكن لهذه المبادرات أن تساعد في اكتشاف بعض المشكلات الصحية مبكرًا، وتوجيه الحالات التي تحتاج إلى فحوصات إضافية أو تدخلات علاجية إلى الجهات الطبية المناسبة.
أما على المستوى المهني، فأوضح الدكتور أحمد شريف أن مشاركة الطبيب في خدمة المجتمع تتيح له تقديم خبرته بصورة عملية ومباشرة، وتمنح المستفيدين فرصة التعرف إلى مستوى الرعاية الطبية وأسلوب التعامل والاهتمام بالمرضى من خلال تجربة حقيقية.
وأشار إلى أن التجارب الإيجابية قد تساهم في تعزيز التوصيات الشخصية بين المرضى وأسرهم ومعارفهم، وهو ما يُعرف تسويقيًا بمفهوم Word of Mouth، باعتباره أحد المسارات المهمة لتكوين الثقة والسمعة المهنية على المدى الطويل.
وأكد أن القيمة التسويقية للمبادرات المجتمعية لا ينبغي أن تأتي على حساب هدفها الإنساني والصحي، بل تنبع من جودة الخدمة المقدمة واستمراريتها واحترام حقوق المرضى وخصوصيتهم، دون ربط الحصول على الرعاية بأي التزام دعائي أو تجاري.
مبادرات قابلة للتطبيق في تخصص النساء والتوليد
وتناول الدكتور أحمد شريف عددًا من النماذج العملية للمبادرات الصحية التي يمكن للأطباء والمؤسسات الطبية تنفيذها وفقًا لإمكاناتهم واحتياجات المجتمع.
وشملت الأمثلة حملات التوعية والكشف المبكر عن سرطان عنق الرحم للفئات المستحقة للفحص، وبرامج دعم السيدات اللاتي يعانين من مشكلات تأخر الإنجاب، ومبادرات متابعة صحة المرأة أثناء الحمل، إلى جانب الأنشطة التثقيفية الخاصة بالصحة الإنجابية والوقاية من الأمراض.
وأوضح أن المبادرة المجتمعية لا يشترط أن تبدأ بإمكانات مالية ضخمة، إذ يمكن تنفيذها بالتعاون مع المستشفيات والجمعيات الأهلية والمراكز الطبية والمعامل، وبمشاركة فرق متعددة التخصصات، على أن تتناسب طبيعة الخدمات المقدمة مع الموارد المتاحة والمعايير الطبية المعتمدة.
كما أشار إلى أهمية الاستمرارية، بحيث لا تقتصر المبادرة على يوم طبي منفرد، وإنما تتحول إلى برنامج منظم قابل للتطوير والتوسع وفقًا للنتائج والاحتياجات التي تكشف عنها المراحل السابقة.
Think Bigger. Think Presidential.
وفي الجزء التطبيقي من المحاضرة، طرح الدكتور أحمد شريف مفهوم «Think Bigger. Think Presidential.»، داعيًا الأطباء إلى التفكير بعقلية المؤسسات الكبرى عند التخطيط للمبادرات الصحية، حتى وإن كانت البداية من عيادة صغيرة أو مركز طبي محدود الإمكانات.
واستشهد بمبادرات الصحة العامة، ومنها المبادرات الرئاسية للكشف المبكر عن الأورام، كنماذج للاستفادة من منهج التخطيط المنظم والتواصل المجتمعي وتوثيق الخدمات والنتائج.
وأوضح أن نجاح المبادرة لا يرتبط فقط بتنفيذ الأنشطة الطبية، وإنما أيضًا بكيفية التعريف بها، والوصول إلى الفئات المستهدفة، وقياس أثرها، والاستفادة من نتائجها في تطوير برامج مستقبلية.
واستعرض الدكتور أحمد شريف نموذجًا عمليًا يقوم على أربع مراحل مترابطة:
1. الإعلان والتوعية: إعداد محتوى إعلامي واضح يعرّف بأهداف المبادرة والخدمات المقدمة والفئات المستهدفة، مع الاستفادة من وسائل التواصل الاجتماعي والإعلانات للوصول إلى المستفيدين.
2. توثيق التنفيذ: تسجيل مراحل المبادرة والأنشطة الطبية والخدمات المجتمعية المقدمة بصورة مهنية تحافظ على خصوصية المستفيدين.
3. عرض النتائج: تقديم تقارير إعلامية قصيرة تتضمن أعداد المستفيدين والخدمات المقدمة والنتائج الفعلية، مع إمكانية الاستعانة بتجارب المستفيدين الذين يوافقون طوعًا على مشاركتها.
4. استثمار الأثر المستقبلي: الاستفادة من نتائج المبادرة في تحسين التخطيط للحملات التالية، وتوسيع نطاق المشاركة المجتمعية، وبناء هوية متواصلة للمبادرات الصحية.
وأشار الدكتور أحمد شريف إلى أن هذا النموذج يسمح بتحويل المحتوى التسويقي من مجرد ظهور متكرر للطبيب أمام الكاميرا إلى محتوى يوثق أعمالًا حقيقية ونتائج ملموسة، بحيث تصبح الخدمة المجتمعية مصدرًا للمحتوى الإعلامي بدلًا من الاكتفاء بالإعلانات المباشرة.
بناء السمعة من خلال القيمة الحقيقية
كما تناولت المحاضرة نماذج من المجتمع الطبي المصري، من بينها الأستاذ الدكتور أحمد الصواف والأستاذ الدكتور هشام العناني، لتوضيح اختلاف المسارات التي يمكن من خلالها بناء المكانة المهنية.
واستعرض الدكتور أحمد شريف أهمية خدمة المرضى والمساهمة في التعليم والبحث العلمي وتطوير الممارسة الطبية، مؤكدًا أن بناء السمعة المهنية لا يرتبط بنموذج تسويقي واحد، وإنما بالقيمة التي يستطيع كل طبيب تقديمها وفقًا لتخصصه وخبراته وإمكاناته.
وأشار إلى أن المسؤولية المجتمعية تمثل أحد النماذج الممكنة لبناء العلامة الشخصية، لكنها ليست البديل الوحيد، وأن الهدف الأساسي هو تشجيع الأطباء على التفكير خارج القوالب التسويقية المتكررة والبحث عن مجالات يستطيعون من خلالها تقديم إضافة حقيقية للمرضى والمجتمع.
تفاعل ونقاشات حول تطبيق المبادرات المجتمعية
وشهدت المحاضرة تفاعلًا من الحضور، أعقبه نقاش مفتوح امتد لنحو 15 دقيقة، تناول الأفكار المطروحة وإمكانية الاستفادة من المبادرات المجتمعية ضمن استراتيجيات التسويق الطبي وبناء السمعة المهنية.
وأكد الدكتور أحمد شريف في ختام المحاضرة أن الاستثمار في خدمة المجتمع يمكن أن يجمع بين تحقيق منفعة صحية وإنسانية مباشرة، والمساهمة في بناء اسم مهني يرتبط بالثقة والخبرة والتأثير الإيجابي، شريطة أن تكون المبادرات حقيقية ومدروسة وقائمة على احتياجات المجتمع.
واختتم الدكتور أحمد شريف محاضرته بدعوة الأطباء إلى تغيير السؤال التقليدي الذي يسبق إعداد المحتوى التسويقي، قائلًا:
«بدلًا من أن تسأل نفسك: ماذا سأصور غدًا؟ اسأل نفسك: ماذا سأفعل غدًا ويستحق أن يتحدث الناس عنه؟»




