كُتّاب وآراء

الإعلامي خالد سالم يكتب لـ «30 يوم»: العمر الافتراضي

نشتري علبة اللبن فنقلبها بين أيدينا بحثاً عن تاريخ الانتهاء، ونقرأ على الدواء مدة صلاحيته، ونسأل البائع عن ضمان الجهاز وكم عاماً سيعيش قبل أن يتعطل. نفعل ذلك كله بدافع الحرص، ولا يرى أحد في الأمر تشاؤماً. لكننا حين نصل إلى ما هو أغلى من اللبن والدواء والأجهزة، إلى الصحبة والمنصب والمودة والشباب والعافية، نتصرف كأن الله كتب عليها «صالحة للأبد».
والحقيقة أن لكل شيء عمراً افتراضياً، وإن لم يُطبع عليه تاريخ. الجهاز الذي نشتريه، والسيارة التي نحبها، والشركة التي نؤسسها، والمنصب الذي نتشبث به، والصداقة التي ظنناها أبدية، والجسد الذي نستهلكه ونحن نظن أنه لا يتعب. كلها تسير نحو نقطة ما، بعضها بسرعة وبعضها ببطء، لكنها تسير. وقد قالها الناس في أمثالهم: «دوام الحال من المحال». وقالها الله في كتابه أصدق وأبلغ: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ، وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾. فالدوام صفة واحدة لا تُمنح لأحد من خلقه.
فلماذا نعاند هذه الحقيقة؟ لأننا نخلط بين الحب والخلود. نظن أن من أحببناه يجب أن يبقى كما هو، وأن ما أنجزناه يجب أن يدوم كما بنيناه، وأن الدور الذي لعبناه سيظل ينتظرنا كلما عدنا إليه. ثم نُصدم. الأب الذي كبر أبناؤه ولم يتعلم أن يصير صديقاً بعد أن كان آمراً. والمسؤول الذي غادر مكتبه فلم يجد من يرد على اتصاله. والنجم الذي انصرف عنه الضوء فظن أن الضوء ظلمه. والصديق الذي ابتعد عنه صديقه فاتهمه بالجحود. والزوجان اللذان يبحثان عن حب الشهر الأول في عامهما العشرين.
غير أن الاعتراف بالعمر الافتراضي لا يعني الاستسلام ولا الإهمال. الفارق كبير بين أن أعرف أن سيارتي لن تعيش للأبد، وبين أن أتركها بلا صيانة حتى تتعطل في أول الطريق. العمر الافتراضي رقم يتحرك بين أيدينا: الصيانة تمده، والإهمال يقصره. والعلاقات كالآلات الدقيقة في هذا، تحتاج زيارة في وقتها، وكلمة طيبة في موضعها، واعتذاراً لا يتأخر، وعفواً عن الزلة قبل أن تتحول إلى جفاء. كم من علاقة ماتت قبل أوانها، لا لأن عمرها انتهى، بل لأن أصحابها ظنوا أنها لا تحتاج إلى رعاية ما دامت أبدية!
ولهذا الفهم أثره العملي في حياتنا ومعاملاتنا. ففي العمل، من يعرف أن لمقعده عمراً يُعدّ خليفته مبكراً، ويترك أثراً لا كرسياً، ويغادر والتصفيق ما زال في القاعة. فالخروج الجميل فن لا يتقنه إلا من تصالح مع فكرة النهاية. وفي علاقاتنا بالناس، لا نطلب من أحد أكثر مما يحتمله رصيده من الطاقة والصبر والعطاء، ولا نبني على وعد «لن أتركك أبداً» بناءً لا يحتمل أن يُترك. نحمد الله على الأعوام التي كانت، ولا نحاسب الإنسان على نقصانها.
وفي المال والحقوق، لهذا نكتب العقود، ونوثق الملكيات، ونحرر الوصايا. لا لأننا نشك في الناس، بل لأننا نعترف بأن الذاكرة تضعف، والأعمار تقصر، والنوايا تتبدل. الورقة المكتوبة اعتراف شجاع بأن الدوام من المحال، وأن الثقة وحدها، مهما بلغت، لا تكفي لحماية من نحب بعد رحيلنا.
ثم إن في هذه الحقيقة عزاءً خفياً. فلأن الشيء ينتهي، هو ثمين. لو كان الصباح يأتي بلا حدود لما وقف أحد ينظر إلى الشمس وهي تشرق، ولو كانت اللحظة مع من نحب متاحة بلا نهاية لما ساوت شيئاً. الذي يعرف أن لكل شيء موعداً يعيش اللحظة بكامل وعيه، يشكر قبل أن يفقد، ويصفح قبل أن يفوت الأوان، ويحب قبل أن يصير الحب ذكرى.
فلنقرأ تاريخ الصلاحية على كل ما حولنا، لا لنحزن عليه سلفاً، بل لنحسن استخدامه ما دام صالحاً. فأثمن ما نملك ليس ما يدوم، بل ما أحسنّا العيش معه حين كان بين أيدينا.

كاتب المقال : خالد سالم – إعلامي .. نائب الامين العام لاتحاد الإعلاميين الأفريقي الأسيوي.

اقرأ أيضا – الإعلامي خالد سالم يكتب لـ «30 يوم»: شعار الوطنية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى