كُتّاب وآراء

د. هدى محمد عبد الرحمن تكتب لـ «30 يوم»: وهم النجاة المنفردة

تُروى في إحدى الحكايات القديمة، المعروفة بحكاية «البطن وأعضاء الجسد»، والمنسوبة إلى الحكيم الإغريقي إيسوب، قصةُ أعضاء الجسد التي شعرت فيها اليدان والقدمان والفم بأنها تعمل وتتعب، بينما بدا لها أن المعدة لا تفعل شيئًا سوى استقبال الطعام. فقررت أن تتوقف عن خدمتها، ظنًّا منها أنها تستطيع الاستغناء عنها.

لكن ما حدث لم يكن كما توقعت. ضعفت الأيدي، وعجزت الأقدام عن الحركة، وخارت قوى الجسد كله. عندها أدركت الأعضاء أن ما ظنّته عبئًا عليها كان جزءًا من سر حياتها، وأن ضعف جزء واحد لم يكن أمرًا يخصه وحده، بل كان يهدد الجسد بأكمله.

وهكذا هي الجماعات والمؤسسات؛ لا يحميها أن ينشغل كل جزء منها بسلامته الخاصة، بل أن تدرك الأجزاء، على اختلاف وظائفها، أنها تشترك في مصير واحد.

العبرة الفلسفية

إن أخطر ما يصيب الجماعات ليس أن يضعف أحد أجزائها، بل أن يفقد كل جزء منها الشعور بمسؤوليته عن سلامة الكل.

ليست الحكمة أن ننشغل بإنقاذ الجزء الذي ننتمي إليه، ونتصور أن ما يصيب غيرنا لا يعنينا؛ فالأجزاء التي تتخلى عن بعضها لا تنجو منفردة، وإنما تهيئ الطريق لضعف الجميع.

إن التضامن ليس أن ندافع عن الآخرين لأننا نحبهم أو نتفق معهم، بل أن ندرك أن حقهم في الحماية اليوم قد يكون الضمان الذي نحتاج إليه غدًا. أما أن نترك عضوًا يضعف ونطمئن إلى أننا بعيدون عن ألمه، فذلك ليس ذكاءً في النجاة، بل سوء فهم لطبيعة الجسد الذي ننتمي إليه.

قد تكون الأزمة اليوم في قسم، وغدًا تنتقل إلى قسم آخر. وقد يظن كل طرف أن نجاته ممكنة بالصمت، أو أن ما يحدث لغيره لا يعنيه، حتى يجد نفسه يومًا في الموقف ذاته، فلا يجد من يقف إلى جواره.

فالمؤسسات لا تقوم بمجرد وجود أقسام كثيرة تحت سقف واحد؛ إذ ليس كل من ينجو وحده اليوم قادرًا على النجاة وحده غدًا، وليس في غرق السفينة منتصر؛ لأن الجميع، مهما اختلفت مواقعهم، كانوا على متنها.

 اقرأ أيضا– د. هدى محمد عبد الرحمن تكتب لـ «30 يوم»: في معنى الحرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى