الإعلامي خالد سالم يكتب لـ «30 يوم»: سور بين عالمين
كنا أطفالًا نلعب “الكرة الشراب” التي صنعناها بأيدينا من الجوارب القديمة وقطع الإسفنج والخيوط. لم تكن لدينا كرة حقيقية، لكن الخيال كان دائمًا أغنى من الإمكانيات. كنا نجري بها في الشوارع الضيقة بجوار سور نادي التوفيقية للتنس، ذلك السور الذي لم يكن مجرد جدار من الحجر، بل كان حدًا فاصلًا بين عالمين.
خلف السور كانت تمتد ملاعب التنس الخضراء، والملابس البيضاء النظيفة، والأحذية الرياضية اللامعة، وضحكات تبدو مختلفة عن ضحكاتنا. أما أمام السور فكنا نحن؛ أبناء الشوارع الشعبية، نحمل أحلامًا أكبر من جيوبنا الصغيرة، ونطارد كرة صنعتها أمهاتنا من بقايا الأشياء.
كانت الكرة الشراب كثيرًا ما تسقط داخل النادي، فنقف لحظة نتطلع عبر الأسوار كأننا ننظر إلى عالم آخر. ثم يتسلق أحدنا السور ليعيد الكرة، لا ليقتحم المكان، بل ليخطف نظرة سريعة إلى الحياة التي بدت لنا بعيدة، رغم أنها لا تبعد سوى أمتار قليلة.
ذلك التعبير، “خلف الأسوار”، لم يكن جديدًا على أذني. فقد كان عنوانًا لبرنامج إذاعي شهير في الإذاعة المصرية، كتبه والدي الأديب الراحل محمد السيد سالم رحمه الله. يومها كنت أسمع العنوان دون أن أدرك عمقه الحقيقي، لكن السنوات كشفت لي أن حياتنا كلها تحولت إلى أسوار متقابلة؛ أسوار تفصل البشر أكثر مما تحميهم.
والآن، وبعد أكثر من خمسين عامًا، أرى الأسوار في كل مكان. لم تعد مجرد جدران تحيط بالأندية أو البيوت، بل أصبحت أسلوب حياة. المدن الجديدة أغلقت نفسها خلف بوابات إلكترونية وحراسات مشددة، والتجمعات الراقية بنت حولها أسوارًا عالية، بينما وجد الفقراء أنفسهم محاصرين بأسوار أخرى لا تُرى؛ أسوار الفقر، والعجز، والإحباط، وضيق الفرص.
كبرت الأحلام، لكن الإمكانيات ظلت كما هي، وربما أصبحت أقل. صار الشباب يرى العالم كله على شاشة هاتف صغيرة، يرى الثراء الفاحش والسيارات الفارهة والحياة التي لا تشبه واقعه، فيشتعل داخله شعور مرير بالحرمان. وحين تتسع الفجوة بين ما نراه وما نستطيع الوصول إليه، تبدأ الأرواح في التشقق.
لهذا لم تعد مشاهد الجريمة في شوارعنا مجرد أخبار عابرة، بل أصبحت انعكاسًا طبيعيًا لمجتمع تتزايد فيه الأسوار يومًا بعد يوم. بعض البشر لم يعودوا ينتقلون من شارع إلى شارع، بل من الحياة نفسها إلى “خلف الأسوار”؛ إلى السجون، أو إلى العنف، أو إلى اليأس.
المؤلم أن أخطر الأسوار ليست تلك المصنوعة من الأسمنت والحديد، بل تلك التي تُبنى داخل النفوس. حين يفقد الإنسان إحساسه بأنه جزء من المجتمع، وحين يشعر أن العالم الآخر مغلق أمامه إلى الأبد، يتحول السور من حاجز مادي إلى قدر نفسي.
ورغم ذلك، ما زلت أؤمن أن طفل الكرة الشراب الذي كنا نحمله بداخلنا كان أكثر عدلًا من عالم اليوم. كنا فقراء، نعم، لكننا لم نكن نكره أحدًا. كنا ننظر عبر السور بدهشة، لا بحقد. وربما كانت تلك البراءة هي الشيء الوحيد الذي لم تستطع الأسوار أن تمنعه.
اليوم، لم نعد بحاجة إلى هدم الجدران بقدر حاجتنا إلى هدم المسافات بين البشر. لأن الأوطان لا تُقاس بارتفاع الأسوار، بل بقدرتها على أن تجعل أبناءها يعيشون في عالم واحد، لا في عالمين.
كاتب المقال : خالد سالم – إعلامي .. نائب الامين العام لاتحاد الإعلاميين الأفريقي الأسيوي
اقرأ أيضا
الإعلامي خالد سالم يكتب لـ «30 يوم»: الخيانة الزوجية




