د. هدى محمد عبد الرحمن تكتب لـ «30 يوم»: في معنى الحرية
من الأفكار التي كثيرا ما تستوقفني في النقاشات المعاصرة تلك الفكرة التي تجعل الحرية في مواجهة الايمان، وكأن الانسان لا يصبح حرا الا اذا تحرر من الدين، وكأن الايمان في جوهره يناقض الحرية، لذلك اعتقد ان علينا ان نتوقف قليلا امام معنى الحرية نفسه.
ما معنى ان يكون الانسان حرا؟
هل الحرية تعني فقط الا يفرض عليك احد شيئا؟ وهل الانسان يصبح حرا لمجرد انه لا يخضع لسلطة دينية؟ ام ان هناك نوعا اخر من العبودية قد يكون اكثر خطورة، وهي العبودية التي لا تأتي من الخارج وانما تأتي من داخل الانسان نفسه؟ وما اكثر من يعتقد انه الوحيد الذي يتمتع بتلك الحرية المزيفة.
فالانسان قد يكون حرا في ان يفعل ما يشاء حقا، لكنه لا يستطيع ان يقاوم شهوته. وقد يرفض كل سلطة عليه، لكنه يصبح اسيرا للمال او الشهرة او السلطة او رغبة الناس في الاعجاب به. وقد يعلن انه لا يؤمن بأي شيء يتجاوز ذاته، ثم يكتشف في النهاية انه لا يستطيع ان يقول لا لرغباته. فهل هذه هي الحرية حقا؟ وهل هذا انسان حر حقا؟
هنا اعتقد ان الايمان يقدم معنى مختلفا للحرية. فالانسان المؤمن حين يقول انه عبد لله لا يعني بالضرورة انه يتحدث عن العبودية بمعناها الذي يحيل الى القهر والالغاء وفقدان الارادة. العبودية لله في معناها الروحي والاخلاقي تعني قبل كل شيء ان الانسان لا يريد ان يكون عبدا لاي شيء اخر سوى الله، وياليتنا كنا عبادا لله حقا، لا نخشى شيئا سوى ان نفقد رضاه.
والانسان الحر هو الذي لا يريد ان يكون عبدا لشهوته، ولا للمال، ولا لسلطة انسان عليه، ولا لنظرة الناس اليه، ولا لرغباته التي قد تقوده في كل اتجاه.
وهنا تبدو لي المفارقة المهمة: ربما لا يستطيع الانسان ان يعيش من دون ان يخضع لشيء ما. السؤال ليس دائما هل انت عبد ام حر، وانما لمن تكون عبدا؟
فالذي يخضع لشهوته عبد لها، حتى لو تصور انه يمارس كامل حريته. والذي لا يستطيع ان يعيش الا من اجل المال يصبح المال هو السيد الحقيقي في حياته. والذي يغير افكاره ومواقفه دائما حتى يحصل على رضا الناس ليس حرا بالقدر الذي يتخيله.
ولهذا لا ارى ان الحرية يمكن اختزالها في التحرر من الدين.
بل ربما يكون الايمان بالله عند بعض الناس هو الطريق الذي يجعلهم اكثر قدرة على التحرر من كل ما هو ادنى منهم.
فالانسان الذي يؤمن بالله يستطيع ان يقول لشهوته لا، حتى وهو قادر على اشباعها. ويستطيع ان يرفض المال حين يصبح المال سببا في الظلم. ويستطيع ان يقاوم السلطة حين تتحول السلطة الى استبداد. ويستطيع ان يختلف مع الناس حين يرى ان رضاهم يتعارض مع ضميره.
وهذه في تقديري صورة مهمة من صور الحرية.
الحرية ليست ان افعل كل ما اريد. هذه في كثير من الاحيان ليست حرية وانما خضوع للرغبة. الحرية الحقيقية قد تكون في قدرتي على الا افعل ما اريده حين اعرف ان ما اريده ليس صحيحا.
وهنا تظهر قيمة الايمان مرة اخرى.
فالايمان لا يطلب من الانسان بالضرورة ان يلغي عقله، ولا يعني ان كل مؤمن فقد قدرته على التفكير النقدي. كما ان عدم الايمان لا يجعل صاحبه بالضرورة اكثر عقلانية او اكثر تحررا. وقد يظن الانسان انه بلغ الحرية لمجرد انه رفض كل قيد، بينما هو في الحقيقة لم يتحرر من شيء، وانما انتقل من قيد الى قيد.
لا توجد علاقة منطقية تجعل الايمان مرادفا للجهل، كما لا توجد علاقة تجعل العلمانية مرادفا للعقل.
ولهذا يمكن للانسان المؤمن حقا ان يكون ناقدا وعقلانيا، ويمكن لغير المؤمن ان يقع في التعصب والخرافة والوهم. المسألة في النهاية ليست في الاسم الذي يضعه الانسان لنفسه، وانما في قدرته على التفكير وعلى مراجعة ما يؤمن به وعلى تقديم حجته، لا المصادرة على المطلوب والتعميم.
ولهذا لا افهم لماذا يقال احيانا ان الفلسفة لا تكون الا مع الانسان المتحرر من الدين.
الفلسفة يا سادة ليست عقيدة ضد الدين، وليست بطاقة انتماء الى موقف سياسي او فكري معين.
الفلسفة في جوهرها قدرة على السؤال والنقد والفحص والبحث عن الحقيقة.
وانا شخصيا افضل ان اكون عبدا لله، لا عبدا لشهرة او سلطة او ايديولوجيا. اريد هذه العبودية التي تحررني من شهواتي واهوائي، وتمنحني القدرة على ان اقول لا لما اراه خطأ، حتى لو كنت قادرا على فعله. وفي الوقت نفسه، لا ارى ان الايمان يمنع العقل من ان يسأل او يناقش او يدرس ما يختلف معه. فالعقل الذي يخاف من السؤال ليس عقلا حرا.
ومن المفارقة الفلسفية ان الايمان نفسه يمكن ان يكون موضوعا فلسفيا، كما يمكن ان يكون موضوعا للنقد والمراجعة والفحص. ودراسة الدين او التصوف او الفكر الديني لا تعني بالضرورة تبني كل ما يقوله اصحاب هذه الاتجاهات. الباحث الذي يدرس التصوف ليس بالضرورة صوفيا، تماما كما ان الباحث الذي يدرس الماركسية ليس بالضرورة ماركسيا، والذي يدرس الوجودية ليس بالضرورة وجوديا.
العقل لا يخشى ان يدرس ما يختلف معه.
بل ربما يكون رفض دراسة فكرة لمجرد اننا لا نؤمن بها اقل عقلانية من دراستها ونقدها وفهمها من الداخل.
ومن هنا اعتقد ان المشكلة ليست في ان يكون الانسان مؤمنا او غير مؤمن، وانما في ان يتحول موقفه الفكري الى حكم مسبق على الآخرين.
فلا كل مؤمن متخلف، ولا كل علماني متحرر، ولا كل من يدرس التصوف يؤمن بالخرافة، ولا كل من يرفع شعار العقل يمارس العقل بالفعل.
وهنا يجب ان ننتبه الى شيء اخر. لا يجوز ان يتحول الدفاع عن الحرية الى نوع جديد من الوصاية الفكرية. فليس من الحرية ان نقول للناس انهم احرار فقط اذا وصلوا الى النتيجة التي نؤمن بها نحن.
الحرية الحقيقية تقتضي ان اترك للانسان حقه في ان يسأل وان يؤمن وان يشك وان يراجع وان يغير موقفه، ما دام يفكر ويجادل ويحترم حق غيره في التفكير. هذه هي الحرية ذاتها.
والايمان بالله لا يلغي هذا الحق.
بل ان العبودية لله يمكن ان تكون، في معناها العميق، تحررا من كل عبودية اخرى.
وهذا معنى كثيرا ما يغيب عندما نفهم كلمة العبودية بمعناها المادي المباشر. فحين يقول الانسان انه عبد لله، فهو لا يقول انه عبد لشخص اخر، ولا انه خاضع لشهوة او سلطة بشرية. انه يضع نفسه امام مطلق لا يشبهه ولا يساويه، وفي الوقت نفسه يرفض ان يجعل من اي شيء في العالم سيدا مطلقا عليه.
ولذلك قد يكون الانسان الذي يقول انا عبد لله اكثر تحررا من انسان يقول انا لا اعبد احدا، بينما هو في الحقيقة لا يستطيع ان يتحرر من شهوته او من المال او من السلطة او من رأي الناس.
المشكلة اذن ليست في كلمة العبودية وحدها، وانما في الشيء الذي نخضع له.
والحرية ليست ان يكون الانسان بلا مرجعية، وانما ان يعرف لماذا اختار مرجعيته، وان يكون قادرا على ان يعيش وفقا لها دون ان يتحول الى عبد لاهوائه.
لهذا لا ارى تعارضا ضروريا بين الايمان والحرية.
قد يختلف الناس في فهم الايمان، وقد يختلفون في فهم الحرية، وقد يرى بعضهم ان الدين يقيد الانسان، بينما يرى اخرون ان الدين هو الذي يحرره. لكن هذا الخلاف لا يحسمه شعار، ولا تحسمه اتهامات جاهزة من نوع ان المؤمنين عبيد وايمانهم تقليدي وان غير المؤمنين احرار.
الفلسفة تعلمنا شيئا ابسط من ذلك واكثر صعوبة في الوقت نفسه: ان نسأل قبل ان نحكم.
ومن وجهة نظري، السؤال الذي يستحق ان يظل مفتوحا ليس: هل انت مؤمن ام غير مؤمن؟
وانما: هل انت قادر على ان تحكم نفسك؟
هل تستطيع ان تقاوم شهواتك حين تريد منك ان تفعل ما تعرف انه خطأ؟
هل تستطيع ان تقول لا للمال حين يطلب منك ان تبيع ما تؤمن به؟
هل تستطيع ان تقول لا لمنصب زائل حين يطلب منك ان تتخلى عن ضميرك؟
هل تستطيع ان تختلف مع الناس دون ان تخاف منهم؟
وهل تستطيع في النهاية ان تكون انسانا لا تقوده رغباته كما تقاد الدمية بخيوطها؟
اذا كانت الحرية هي القدرة على امتلاك النفس، فربما تكون عبودية الله احدى اعلى صور هذه الحرية، لانها تضع الانسان في مواجهة كل ما يمكن ان يستعبده، وتذكره دائما بان عليه الا يكون عبدا الا لله.
وهنا يصبح الايمان ليس هروبا من الحرية، وانما محاولة للوصول الى معنى اعمق لها.
اقرأ أيضا– د.هدى عبد الرحمن تصدر كتابها الجديد «كانط وحقوق الشعوب .. من كانط إلى غزة»



