فاتن فريد تكتب لـ «30 يوم»: الغرب أولا
طلب مني العديد من القراء والقارئات الاستطراد في مقالات عن الأخلاق والتربية نظرا لأهمية القاء الضوء ولفت النظر لمثل هذا الأمر وخاصة بعد حالة التعفن الأخلاقي التي وصلنا إليها وظهرت جلية في مشاهد عديدة الفترة الماضية، والحقيقة أني كنت أنتوي ذلك من البداية فأخلاق الأمم وقيمها هى حجر الأساس لبناء شخصية سوية تكون نواة صالحة لبناء المجتمع السليم، وهى شغلي الشاغل خاصة لتعاملي مع كثير من الشباب ورؤيتي لتصرفات وأفعال تصدر عن أطفال وشباب يحترق لها قلبي كأم.
ولاشك أن هذا الأمر يجب أن نفتح أبواب مناقشته على مصراعيه دون خجل وبمصارحة شديدة مع النفس، لابد من عقد ندوات يكون المتحدث فيها أطفال وشباب، يجب أن يسمع هذا الجيل من ذويه، وأن يفعل المستحيل لشغل وقت فراغه فيما يفيد، فلاشك أن الفراغ هو عدو الانسان الأول، فمال بالنا بشباب في سن ممتلئ بالحيوية والطاقة والنشاط!!.
أين علماء النفس والاجتماع مما يحدث؟ ألم يحن دورهم بعد؟ أين الاخصائي الاجتماعي المتخصص في مدارسنا وجامعاتنا؟
الغريب في الأمر أنه بدأت حملة قوية على السوشيال ميديا الغربية، حملة توعوية وارشادية للتأكيد على أهمية دور الأم في بناء الأسرة وتكوين شخصية الطفل، ليست حملة بل حملات لتوعية الأطفال والشباب بالقيم والأخلاقيات وأهمية طاعة الوالدين واهتمامهما الذي يعتبر حصنا منيعا ضد خطر الأمراض المجتمعية أو النفسية المختلفة ولا يجب اعتباره قيدا أو خنقا للحرية، كما أن دوافعهما وأوامرهما ونواهيهما لا يجب أن تكون موضع نقاش أو جدال اطلاقا، يالله ألم نسمع مثل هذا الكلام منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام؟ ألم تكن تلك هى وصايا ديننا الحنيف، بل وجميع الأديان؟؟ هل تنبه الغرب لما آل إليه حال الشباب وللهوة التي يسير إليها فأفاق من الغفلة لانقاذ ما يمكن انقاذه بينما نحن مازلنا نغرق في سبات عميق؟ لقد ركضنا ركضا وراء الغرب عندما نادي بالحرية والاستقلال لبناء الشخصية، حرية بلا حدود وضعها وتصورها الغرب وفقا لأهوائه وانتمائاته ومخططاته، وها هو المجتمع الغربي بأكمله الآن يعترف بالخطأ ويتراجع معلنا أن للأبوين السلطة المطلقة للتربية والتوجيه وعلى أطفالنا وشبابنا الانصياع والطاعة مع النقاش المحدود وفقا للسن والخلفيات التي يمكن اظهارها على أن تكون الكلمة العليا دائما للأبوين. أكاد أسمع الهتاف الغربي الآن في الغرب “وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم”.
ببدو أنه ولي زمن التمرد بعد الانفلات الأخلاقي الذي يدفع المجتمع ثمنه غاليا فهل لابد أن يسبقنا الغرب أولا ويشير لنا ويوجهنا للطريق كي نتبعه؟.
يؤسفني كثيرا أن نتراجع دائما عن ريادتنا في جميع المجالات ولكن ما يدمي قلبي أكثر هو تراجعنا عن الريادة الانسانية والأخلاقية، كان خوفنا من أن نتهم بالرجعية والتخلف أقوي من ايماننا وتمسكنا بقيم ومبادئ وأخلاق ديننا فانقدنا بسلاسة وهدوء لفخ التمرد والاستقلالية والحرية وأفقنا على أولادنا يطعنوننا في صدورنا بدم بارد.
يا سادة هذا ما جنت أيادينا نحن من تخلينا بمحض ارادتنا عن ثوبنا المحتشم فسمعنا ألفاظا لم نكن نجرؤ على التفوه بها حتى بيننا وبين أنفسنا. أسمع ألفاظا يتداولها الاطفال اليوم يندي لها الجبين وأرفع حاجبي مندهشة عندما أري الأهل صامتين، وأحيانا مبتسمين، فأطفالهم مودرن ومواكبون لجيلهم. أسمع شبابا يخرج من الامتحان صارخا كيف للمراقب أن يمنعني أن أحصل على الاجابة من زميلي؟؟ فقد اختفت كلمة الغش وحل محلها النقاش والمشاركة وتبادل الرأي، والمخزي أن ذلك رأي أولياء الامور أيضا، أين “من غشنا فليس منا” ذلك الحديث الذي تربينا عليه وشكل جزءا كبيرا من احترامنا لممتلكات الآخر جميعها مادية ومعنوية؟ أم تأخذ أطفالها للمقابر لتأمرهما بأن يدعوا على أبيهما في سخرية واستهانة تصيب بالغثيان، فكيف لنفسية هذين الطفلين أن تكون!!؟؟ والأدهي أن تخرج منظمات حقوقية نسوية تدافع عن هذه الأم الشابة وتطالب بتبني قضيتها.
مشاهد عدة تشير وبقوة إلى أن مجتمعنا أصبح على شفا حفرة من النار، لا أدري أهو ابتعاد عن الدين أم تقليد أعمي جاهل مستفز.
أولادنا أمانة في أعناقنا ليس واجبا علينا فقط اطعامهم وتعليمهم تلبية رغباتهم، ولكن واجبنا المقدس هو تغذية عقولهم وأرواحهم وتنشئتهم تنشئة سوية سليمة، ذلك الواجب الذي لا يسقط أبدا عن فقر أو انشغال، تلك هى المهمة التي لا يجب أن يكون للأبوين الدور الأهم في تنفيذها ولا يحل محلهما أحد، فإذا كنا ننظر للغرب بانبهار كعادتنا ونلهث وراء محاكاته كما فعلنا سابقا وقلدنا الملابس الضيقة والفكر المنفلت ونقلد الآن الملابس الواسعة الفضفاضة تحت مسمي الأوفر سايز فآن الأوان أن نتابع السوشيال الميديا في الغرب لنري كم الفيديوهات التي تنادي بعودة سلطة الاهالي على أولادهم دون قيد او شرط لعلها تكون المنجية.
موضوعات ذات صلة
فاتن فريد تكتب لـ «30 يوم»: صفعة على الخد الآخر
فاتن فريد تكتب لـ «30 يوم»: ملف اللاجئين.. لم يغلق بعد




