الإعلامي حمدي رزق يكتب: المشروع الوطني التنويري الغائب
«ما بيعيش لها أولاد» للإشارة إلى المرأة التى تعانى من حالات الإجهاض المتكرر، أو وفاة الأجنة داخل الرحم، أو وفاة الأطفال فى عمر مبكر بعد الولادة.
أخشى مصر الحبيبة ما بيعيش لها مشروع وطنى، تعانى إجهاضًا متكررًا لمشاريعها الوطنية داخل الرحم أو فى عمر مبكر، كلما تشكل مشروع وطنى وبرزت ملامحه عمرانًا، واستقرارًا، وحياة كريمة حتى يتم إجهاضه بعمدية سلفية مع سبق الإصرار والترصد.
لن أتحدث عن مشاريع ماضوية ملكية كانت أو جمهورية، ننسى فلا نأسى على ماضٍ تولى، ولا نملك رفاهية النوستالجيا، الحنين إلى الماضى، إنما الحاضر أولى بالاجتهاد بحثًا عن أسباب الإجهاض المبكر لمشاريعنا الوطنية.
معلوم، عمران دون مشروع تنويرى، مثل عمران بلا محتوى، لا يعمر طويلًا، ستظل أعمدته الخرسانية مكشوفة تسفحها رياح الهبوب الصحراوى.
لن يستقيم المشروع الوطنى التنموى دون مشروع تنويرى يرفده بأسباب البقاء، مشروع وطنى بلا تنوير مشروع مظلم لا ترى فيه موضع قدم نحو المستقبل.
دون حركة فكرية وفلسفية تملأ فضاء المشروع التنموى الوطنى، دون قبة فكرية تحصنه، وتصد عنه، وتحميه من غائلة السلفية المهيمنة على العقل الجمعى، كما الحرث فى الماء.
السلفية المجتمعية ضاربة بجذورها فى الأرض المالحة، وتتمدد وتتوغل وتكسب أرضا، السلفية الفكرية مرض عضال أصاب العصب البصرى للمجتمع، لم يعد يبصر مستقبله القريب.
مجتمع تسلفن على كبر، يقتات سفاسف الأمور، ويتغذى على الفتات، ينتحر اختلافًا على حجاب ونقاب وفستان محزق، ويحترب حول خرافة الطيبات، وتلتهم عقله صنوف الشعوذة، ويصحو وينام على مرويات موروثة يعلوها الصدأ السلفى، ويعانى من المس واللمس.
مجتمع ملبوس، يستطيب المنقول، ويستنكف إعمال العقل، ويقعد عن التفكير، ويلغى مناهج الفلسفة ولا يقيم وزنًا لعلوم المنطق، يفكرك بمرسى ابن الزناتى فى مدرسة المشاغبين، تعرف إيه عن المنطق.. أعرف إنى لما أضرب واحد على نافوخه يقع ما يحطش منطق.. هوّ دا المنطق، ولا مش هوّ؟
يوم ليس بعيدًا طالب الرئيس السيسى بتجديد الخطاب الدينى، هاجت زنابير القفير «بيت النحل»، وتكالبت الأكلة على الدعوة، وتم إجهاضها فى مهدها، تجديد الخطاب الدينى كانت افتتاحية رئاسية مستنيرة يمكن بناء مشروع تنويرى على بنيتها الأساسية، يتبعها بالضرورة تجديد الخطاب المجتمعى (سياسيًا واقتصاديًا ومجتمعيًا)، بالأحرى تجديد الخطاب الثقافى السائد الذى يحكم عقل المجتمع.
القعود يوم الزحف، قعدنا على الحيطة نسمع زيطة السلفية، نكص التنويريون على عقبيهم، لم يلتقطوا الرسالة، ولقطها السلفيون وأجهضوها فى مهدها، دون أن ينبس التنويريون ببنت شفة أو يبدون حراكا.
تراجع المشروع التنويرى فى مواجهة تغول المشروع السلفى كارثة وطنية محققة، استخدام العقل والمنطق كمرجعية أساسية بدلًا من التقاليد العمياء، بات من الكبائر، والاعتماد على العلم والتجربة ونبذ الخرافات، صار من المكروهات، وتعزيز قيم الحرية، والتسامح، وحقوق الإنسان، منكور، ومكروه، ومستحدث، بدعة وكل بدعة ضلالة.
منسوب الصرف السلفى مرتفع يهدد أساسات المشروع التنموى الوطنى، مشروع السلفية الفكرية يتمدد يتوغل، الطور المتحور من السلفية معدٍ، السلفية الحركية تجتهد فى إسقاط المفاهيم السلفية المتشحة بالمقاصد الشرعية على الواقع السياسى والإصلاح الإدارى والحكومى.
كل تمدد سلفى فى الفراغ المجتمعى خصمًا من المشروع التنويرى الوطنى الذى يعانى تراجعًا مخيفًا، والخشية على مستقبل المشروع الوطنى من الزحف السلفى مشروع، والمثل الرومانى يقول: لا يُوقَدُ المصباحُ لمن هو نائمٌ.
اقرأ أيضا– الإعلامي حمدي رزق يكتب: الله يرحمك يا عم أحمد!



