توبكُتّاب وآراء

الإعلامي حمدي رزق يكتب: وأنا استفدت إيه..؟!

العدمية مذهب فلسفي يُنكر وجود أي هدف أو معنى حقيقي للوجود الإنساني، والعدمية المجتمعية مذهب طائفة من الناس تُنكر أي هدف أو معنى حقيقي للمنجزات المتجسدة على الأرض، وغالبًا ما يُمعنون في الإنكار بمقولة مكررة: (وأنا أستفدت إيه؟!)، مقولة عدمية بامتياز، وصارت لبانة (علكة) تلوكها أفواه ذات رائحة نفاذة باستمتاع غريب.
صاروا، من فرط تكرارها، ممعنين في الإنكار، كمن ينكرون الشمس في كبد السماء، ويذهبون مذهبهم العدمي إلى إنكار الحقائق الواضحة والبديهية التي لا يمكن تجاهلها، في مكابرة سقيمة في الأمور المُسلَّم بها، والتي تتحدث عن نفسها.
كل مشروع مستقبلي مصري يتطلع إلى نقلة نوعية في حال المصريين يُقابل بصلف هذه الطائفة العدمية وإنكارها، يناوله بالتقزيم والتسطيح، الذي يترجم إجهاضًا لأحلام المصريين في غد أفضل، فإذا أعيتهم الحيل الإنكارية الخبيثة، طفقوا يرددون مقولتهم السخيفة: (وأنا أستفدت إيه؟!)، لإجهاض جدوى مشروعات لم تُثمر بعد، وقطع الطريق على مستقبليات لم تتبين ملامحها، وإنكار المعلوم بالضرورة مجسدًا على الأرض.
نموذج ومثال: مشروع (المونوريل)، حلم مصري من ستينيات القرن الماضي، وصحافة الستينيات أفردت صفحاتها للحديث عن حلم المونوريل، ونشرت مخططات الحلم وصوره باعتباره نقلة عصرية يتوق إليها المصريون ويستحقونها، المونوريل كان حلمًا، فإذا ما صار الحلم حقيقة، وتحققت الأحلام، وانطلق المونوريل ينهب المسافات ويقرب البعيد ويوفر الطاقة والزمن، والوقت من ذهب، يقابلونه بالإنكار الذي يصل إلى حد الاستكبار، والإمعان في العدمية، وتصدير مقولة فاسدة: وأنا أستفدت إيه من المونوريل، ولا يبينون سبب كراهيتهم للمونوريل، ربما لأن اسمه غريب على الأسماع، ولا يطيقون سماعه!
فكرين تفوت ع الصحراء تخضر، كان حلمًا من خيال، فإذا الحلم حقيقة، وتُزرع الصحراء، وتُوطن دلتا جديدة، نحو مليوني فدان في مرحلة أولى من أربعة ملايين مستهدفة، تُزرع وتُروى بآليات زراعية حديثة، وتوفر مليوني فرصة عمل، وتفتح بيوتًا، وتقلص فاتورة الاستيراد، وتؤمن الاحتياطي من الحاصلات الزراعية، وتخفف العبء عن الدلتا القديمة التي أنهكت تحت وطأة الزراعة المفرطة دون راحات كافية تعيد للأرض حيويتها، وتعوض الفاقد في الأراضي السمراء بفعل التمدد العمراني، وتضاعف المساحة الخضراء في قلب الصحراء.
الدلتا الجديدة، مشروع مستقبلي بلغت تكلفته 800 مليار جنيه، من لحم الحي، صرفنا عليه دم قلبنا، وتحملنا العزم صابرين على أمل يلوح، ويصادفك قول من في قلبه مرض، ولا يرعوي لمصلحة وطنية، وينظر تحت قدميه: وأنا أستفدت إيه؟!
تبحر قافلة العمران نحو الساحل لتقيم في صحراء العلمين عاصمة ساحلية بمواصفة عالمية، تنقل الساحل الشمالي الغربي من حال إلى حال، وترسمها كمدينة مستقبلية، بامتداد خلاب على شاطئ لازوردي، وأبراجها تناطح السحاب، نفس الأبراج التي حلموا بها، وكثير منهم أعجبوا بها في دول الجوار، وتحدثوا بها وتساءلوا: لماذا لا نزرعها أبراجًا مطلة على سحر خلاب؟ لماذا لا يطاول عمران مصر السحاب؟ فإذا لاحت الأبراج تطل على المتوسط قزموها، ورموها بكل نقيصة، ونفثوا من سخام أنفسهم المعبأة بحقد دفين: وأنا أستفدت إيه؟!
ومثلها تمتد يد العمران إلى الشرق لتنحت في جبال البحر الأحمر مدينة الجلالة، بإطلالة ساحرة على مياه دافئة تستقبل السياحة الشاطئية، وتكتمل ثلاثية الغردقة / شرم الشيخ / الجلالة، مثلث جذب سياحي عالمي، ولماذا الجلالة، وببواخة بادية لماذا مدينة الرخام، وإيه اللي جاب القلعة جنب البحر؟ وفي الأخير يصدرون جملتهم السقيمة: وأنا أستفدت إيه؟!
ومثلها مدن ذكية في خلفية مدن عتيقة كادت تختنق تحت وطأة كثافتها السكانية، 14 مدينة ذكية، تليق بشباب الوطن الأذكياء، وتوفر لهم سكنًا كانوا يبحثون عنه في كل شق في المدن القديمة، من المنصورة الجديدة إلى الإسماعيلية الجديدة، مرورًا بكل المدن الجديدة في الصعيد وبحري وخط القنال، تلك التي باتت وأصبحت قبلة لشباب المصريين.
وعاصمة جديدة، بمواصفة عواصم عالمية، ومرحلتها الأولى، مع تداخل مراحلها، ترسم مستقبل هذا الوطن الذي يستحق عاصمة ذكية تعوض الفاقد في العاصمة التاريخية، وتخفف العبء السكاني عنها، وترفع عنها حمل العقود الماضية، وتعيد للعاصمة القاهرة رونقها، وتجدد شبابها، وتجلي رونقها، وتنقل الوزارات والمصالح والهيئات والمؤسسات الحكومية بعيدًا عنها، تعيدها كما كانت قاهرة منورة بأهلها.
عاصمة جديدة، رئة جديدة تتنفس منها المحروسة هواءً نقيًا، وترسم مستقبليات الوطن وحق ناسه في عاصمة يباهون بها، وقبل الافتخار، عاصمة موطن للاتصالات الذكية، ومؤهل للمال والأعمال، ومقصد لأجيال ذكية، تتوسط ما بين المنطقة الاقتصادية في القنال والعاصمة القاهرة، في موقع يتيح لها المزاوجة بين الاستثمار والصناعة والزراعة، ملتقى مستقبليات وطن يستحق حياة أفضل.. ويقتصدون العاصمة التي لم يروها ولم يغبروا أقدامهم لزيارتها، ويناولونها بسخريتهم المربرة، هي القاهرة اشتكت، وأنا أستفدت إيه، دون إفصاح عن مغزى الاستفادة التي تتردد على ألسنتهم!
المساحة الممنوحة لهذا المقال لا تسع الكثير من المشروعات المستقبلية، سردية مستقبليات هذا الوطن التي تعم الأرجاء تحتاج مجلدات، وإن تعدوا المشروعات القومية المستقبلية لا تحصوها، ولكنهم يختصرون المستقبل في جملة سقيمة أخشى من فرط تكرارها صارت مثل مرض نفسي عضال أصابهم، فصاروا يهذون في قرار أنفسهم منكرين.
الجمهورية الجديدة تستلهم مستقبليات وطن يستحق الأفضل، مصر قد الدنيا ليس شعارًا، ولكنه واقع معاش رغم الضيقة الاقتصادية التي تشوش على الصورة البهية، جمهورية الأحلام المؤجلة تستحق التضحية والصبر الجميل، الفلاح يصطبر على زرعته، يرويها بعرقه، ويسهر عليها، ويرفدها بالرعاية، ويصلي من أجل الحصاد مؤمنًا بالله أن يكافئه بالحصاد الوفير، وطائفة من الناس تصدر العدمية في الوجوه، ويقولون قولهم: لن نصبر على طعام واحد، ويبغبغون بمقولات عدمية من عينة: “احييني النهارده وموتني بكره”، وترجمته: وأنا أستفدت إيه.
الجمهورية الجديدة ورثت جملة أمراض مزمنة وسارية، أخطرها ثالوث الجهل والفقر والمرض، كافحته ثورة يوليو في خمسينيات القرن الماضي، ولا تزال المكافحة الوطنية مستمرة بلا انقطاع، فإذا همّت الجمهورية الجديدة بمسؤولياتها في نشر العلم، ومكافحة الأمراض، وتوفير حياة كريمة للطيبين، أنكروا في إنكار مزمن، مضاعفة أعداد المدارس والجامعات والمستشفيات، حتى إنهم ينكرون أن مصر أصبحت خالية من فيروس C وشلل الأطفال والجذام، وكافة الأمراض التي كانت تفتك بصحة المصريين، ينكرون وهم يعلمون، ويصدرون في وجوهنا عادم عدميتهم وما يأفكون، قولًا ذميمًا: وأنا أستفدت إيه؟!

 اقرأ أيضا

الإعلامي حمدي رزق يكتب: تصفير العداد البترولي!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى