توبرياضةكُتّاب وآراء

نجوى العشيري تكتب لـ « 30 يوم»: كُلْ حلوًا، وتكلّم حلوًا.. عندما تُفتح القلوب قبل الملاعب

هناك أمثال تختصر ثقافة كاملة في كلمات قليلة.

ومن بينها المثل التركي «Tatlı ye, tatlı söyle»؛ كُلْ حلوًا، وتكلّم حلوًا.

تذكرت هذا المثل وأنا أشاهد مشهدًا بسيطًا لكنه شديد الذكاء في استقبال محمد صلاح بطرابزون.

سيدة تركية مسنّة تُعد الطعام، وتتحدث عن «ابنها» الذي رأته في المنام، ثم يُطرق الباب، فيظهر محمد صلاح مرتديًا قميص طرابزون سبور.

تحتضنه وتطعمه بيدها.

في لحظات قليلة، لم يعد القادم من مصر مجرد لاعب عالمي تعاقد معه النادي؛ أصبح ضيفًا، ثم بدا في المشهد كأنه ابنٌ عاد إلى البيت.

هنا تكمن براعة الفكرة.

لم تُقدَّم الصفقة باعتبارها خبرًا رياضيًا فقط، بل جرى تقديم محمد صلاح إلى الناس من خلال شيء يعرفونه جيدًا: البيت، والمائدة، والضيف، والمشاعر…

إنها صناعة الألفة قبل صناعة الأهداف…

ومن بعيد، تذكرت فيلم Invictus؛ ليس لأن التجربتين متشابهتان، فلكل منهما ظروفها وسياقها، وإنما لأن الفيلم يلفت النظر إلى قدرة الرياضة على أن تتجاوز حدود المنافسة، وأن تفتح مساحة للإنسان والانتماء.

مانديلا كان أمام مجتمع منقسم وتاريخ شديد التعقيد، أما طرابزون فحكايتها مختلفة تمامًا.

نادٍ يريد أن يستعيد مكانته، وجمهور ينتظر من نجم كبير أن يضيف إلى فريقه، ومدينة تعرف كيف تحول حدثًا رياضيًا إلى قصة تتجاوز الملعب.

وهنا يصبح محمد صلاح أكثر من صفقة.

إنه فرصة لإعادة تقديم النادي، وإعادة إشعال الحماس حوله، وربط اسم اللاعب بالمدينة وجمهورها.

وربما هذا هو الدرس الأجمل:

الرياضة قد تبدأ في الملعب، لكنها تستطيع أن تصل إلى أماكن أبعد بكثير.

فقد يبدأ الانتماء بقميص، ثم يكبر بمائدة، وابتسامة، وكلمة طيبة.

وقد يتحول اللاعب القادم من بعيد إلى شخص يشعر الناس أنه أصبح واحدًا منهم.

وهنا لا تكون المدينة قد أحسنت استقبال ضيفها فقط، بل تكون قد عرفت كيف تحول لحظة رياضية إلى حكاية إنسانية.

وفي النهاية، ربما يلخص المثل التركي كل الحكاية:

كُلْ حلوًا، وتكلّم حلوًا… فربما سبقت القلوبُ الملاعبَ إلى الفوز…

كاتبة المقال – وكيل أول وزارة سكرتير عام بالمعاش .. كاتبة مهتمة بقضايا الإدارة المحلية والتنمية والوعى الوطني.

اقرأ أيضا – نجوى العشيري تكتب لـ « 30 يوم»: صكوك الضريبة الجديد.. فلوسك ترجعلك بزيادة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى