كُتّاب وآراء

الإعلامي خالد سالم يكتب لـ «30 يوم»: فن اختيار الأسماء

هل أصبح اختيار أسماء الأحياء في مدننا الجديدة أمرًا هامشيًا لا يستحق التفكير؟
وهل يكفي أن نبني العمارات ونرصف الطرق ونمد المرافق، ثم نضع على المناطق أسماءً لا تعبر عن المكان ولا تليق بحجم ما نبنيه من مدن يفترض أن تكون عنوانًا لمصر الجديدة؟
بصراحة، فوجئت عندما طالعت بعض أسماء الأحياء والمناطق في مدينة حدائق أكتوبر ومدينة السادس من أكتوبر.
أسماء تجعلني أتساءل: أين ذهب فن اختيار الأسماء؟
نحن لا نتحدث عن أسماء شوارع صغيرة أو أرقام مؤقتة في موقع تحت الإنشاء، وإنما عن أحياء ومدن ستعيش عشرات السنين، وسيسكنها ملايين المصريين، وستصبح جزءًا من ذاكرة أجيال قادمة.
فهل من المعقول أن يكون الاسم مجرد رقم لمساحة من الأرض؟
أن نجد حيًا اسمه «800 فدان» مثلًا، وكأننا لا نتحدث عن حي سكني له سكان وأسر وأطفال وذكريات، وإنما عن قطعة أرض في دفتر حصر الأراضي!
والأغرب أن تصل الفكرة إلى تسميات توحي وكأن المدينة مجموعة من الحجارة الأسمنتية المتراصة:
الحجر الأول… ثم الحجر الثاني… ثم المائتان!
هل هذه هي الصورة التي نريد أن نقدم بها مدننا الجديدة؟
إن الاسم ليس مجرد كلمة تُكتب على لافتة.
الاسم هو هوية.
حين نقول القاهرة، والإسكندرية، والأقصر، وأسوان، وحلوان، ومصر الجديدة، والمعادي، والزمالك، ومدينة نصر، وغيرها من الأسماء، فإننا لا نذكر مجرد مكان على الخريطة، وإنما نستحضر تاريخًا وذاكرة وثقافة وشخصيات وأحداثًا.
حتى الأحياء الجديدة يمكن أن تحمل أسماءً تصنع ذاكرة جديدة.
لماذا لا نستفيد من أسماء العلماء المصريين؟
لماذا لا نُحيي أسماء الأدباء والمفكرين والفنانين والمبدعين الذين صنعوا وجدان هذا الوطن؟
لماذا لا تحمل أحياؤنا أسماء شخصيات مصرية عظيمة في العلم والطب والهندسة والفنون والإعلام والأدب والرياضة والعمل الوطني؟
لماذا لا نطلق على بعض الأحياء أسماءً مرتبطة بتاريخ المنطقة أو طبيعتها أو أحد رموزها؟
لدينا آلاف الأسماء التي تستحق أن تعيش على لافتات الشوارع والميادين، بدلًا من الاكتفاء بالأرقام والمساحات.
والسؤال هنا ليس اتهامًا لأحد، وإنما سؤال مواطن محب لبلده:
أليس هناك مجلس أمناء لهذه المدن؟
أليس من بين مهامه التفكير في هوية المدينة وشكلها الحضاري؟
أليس في هذا البلد علماء ومفكرون ومؤرخون وأدباء وفنانون ومخرجون وإعلاميون وأساتذة جامعات يمكن الاستعانة بهم لتكوين رؤية حضارية لاختيار أسماء المدن والأحياء والميادين؟
لماذا لا تكون هناك لجنة متخصصة لفن اختيار الأسماء؟
لجنة تنظر إلى الاسم باعتباره مشروعًا ثقافيًا، وليس مجرد إجراء إداري.
نحن في زمن تتنافس فيه المدن العالمية على بناء هويتها وصورتها أمام سكانها وزائريها.
المدينة الحديثة ليست خرسانة فقط.
المدينة روح وهوية وذاكرة.
وإذا كنا نبني مدنًا جديدة لمصر المستقبل، فعلينا أن نمنحها أسماءً تليق بالمستقبل.
لا أتصور أن طفلًا سيكبر في حي اسمه «800 فدان» ثم يسأله أحد: أين تسكن؟ فيجيب بفخر: أسكن في «800 فدان»!
أين الحكاية؟
أين الدلالة؟
أين الانتماء؟
الاسم الجميل يجعل الإنسان يشعر بأن المكان جزء منه.
ولنا أن نتخيل الفرق بين أن تقول:
«أنا من المنطقة رقم كذا»
وبين أن تقول:
«أنا من حي الدكتور أحمد زويل»
أو «حي طه حسين»
أو «حي أم كلثوم»
أو «حي نجيب محفوظ»
أو اسم أحد العظماء الذين قدموا لمصر وللإنسانية الكثير.
هنا يتحول الاسم من مجرد عنوان بريدي إلى رسالة ثقافية وتربوية ووطنية.
ومن هنا أقول لكل من يشارك في تخطيط مدن مصر الجديدة:
اتقوا الله في أسماء المدن والأحياء.
فأنتم لا تضعون أسماءً مؤقتة على أرض صحراوية، وإنما تكتبون جزءًا من تاريخ مصر.
قد تتغير العمارات، وقد تتغير الطرق، وقد تتغير ملامح المكان مع الزمن، لكن الاسم قد يبقى عشرات بل مئات السنين.
فلنحسن الاختيار.
ولنخرج من فكرة أن كل ما لا نعرف له اسمًا نضع له رقمًا، وكل قطعة أرض نطلق عليها مساحتها، وكأننا أمام كشف حصر عقاري!
مصر التي أنجبت رفاعة الطهطاوي، وطه حسين، وأحمد زويل، ومجدي يعقوب، ونجيب محفوظ، وأم كلثوم، وعبد الحليم حافظ، ويوسف شاهين، ومئات وآلافًا من العظماء في مختلف المجالات، تستحق أن تكون أسماء هؤلاء العظماء حاضرة في مدنها الجديدة.
والأمر لا يحتاج إلى تكلفة مالية ضخمة.
إنه يحتاج فقط إلى فكرة ورؤية وإحساس بقيمة المكان.
دعونا نبني الحجر، نعم.
لكن قبل أن نبني الحجر، فلنفكر في اسم المكان الذي سيعيش فيه الإنسان.
فالمدن لا تُبنى بالأسمنت وحده…
المدن تُبنى أيضًا بالذاكرة والهوية والإنسان.

كاتب المقال : خالد سالم – إعلامي .. نائب الامين العام لاتحاد الإعلاميين الأفريقي الأسيوي

اقرأ أيضا – الإعلامي خالد سالم يكتب لـ «30 يوم»: هل نحتاج إلى وظيفة إعلامي؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى