كُتّاب وآراء

د. محمد المنشاوي يكتب لـ «30 يوم»: ٢٣ يوليو وجرائم الإخوان.. ( ٢-٢ )

ومثلما كانت عداوتهم للرئيس عبد الناصر قائد ثورة يوليو ، كان موقف الإخوان مماثلًا من ثانى زعماء هذه الثورة الرئيس أنور السادات ، بما يثبت أن عبد الناصر كان محقًا فيما فعله معهم لاحقًا ..

فبالرغم من أن السادات قدم لهم فرصة التصالح مع أنفسهم ومع المجتمع ، وممارسة العمل السياسي علنًا وفقًا لقواعد الديمقراطية المعروفة ، إلا إنهم إنقلبوا عليه ، ووجهوا له أبشع الإتهامات ، بل ورحبوا بإغتياله على أيدى الجماعة الإسلامية التي خرجت من رحم أفكارهم ومن تحت عباءتهم ..

بل زاد من إستخفافهم بتاريخ الشعب المصرى ورموزه ، أن دعوا خلال سنة حكمهم التى بدأت يونيو ٢٠١٢ ، قَتَلة السادات ، أمثال عاصم عبد الماجد وطارق عبود الزمر لحضور ذكرى إحتفال البلاد بنصر حرب أكتوبر ، فى تصرف وضيع ينُم عن إستخفاف  بقائد هذه الحرب في يوم إستشهاده وفى يوم إنتصاره على جيش الإحتلال الإسرائيلى ..

فليست المواقف العدائية تجاه عبد الناصر أو السادات أو أى من قادة الثورة ، إلا لكراهيتهم لثورة يوليو ١٩٥٢ ، التى أنهت تبعية مصر للدوله العثمانية التى لطالما وفرت الحماية والملاذ لعناصر هذه الجماعة ودعمتهم بكل السُبل والوسائل على مر العقود ..

لقد نظر الإخوان إلى الضباط الاحرار بنظرة الخوف بإعتبارهم تهديداً حقيقيًا لإنهاء وجودهم ومشروعهم الإخوانى للسيطرة علي الحكم في مصر وغيرها من الدول العربية التي لا يعترفون بحدودها من الأساس ، وهو الأمر الذى جعل الصراع حتميًا مع الثورة ،  لأنهم ضد أى تغيير فى السلطة لا يدعم هدفهم…

فوقائع التاريخ تؤكد أن جماعة الإخوان الإرهابية كانت تعادى الثورة منذ يومها الأول لكن دون أن تجهر فى البداية بذلك ، بدليل أن عناصرها لم يشاركوا فيما جرى خلال الأيام الاولى للثورة ، وفضلوا البقاء فى جحورهم كدأبهم دائماً ، حتى يتأكدوا من نجاحها وخلع الملك من الحكم ..

تمامًا مثل الشىء نفسه الذى فعلوه فى الحراك الشعبي فى ٢٥ يناير ٢٠١١ ، بإسلوب ( wait and see ) ، دعونا ننتظر ونرى  ، توطئة للقفز عليه فى حال نجاحه ، وهذا دأبهم دائماً وعلى مر العصور سعيًا للقفز على الحكم وقطف ثمار جهود الآخرين ، وطبقًا لأبجديات الإنتهازية  الإخوانية ..

ولذلك لم يرتفع صوتهم خلال ثورة يوليو إلا بعد خروج الملك من البلاد وتنازله عن العرش ، ثم ما لبثت أن جهرت بعدائها للثورة وقادتها بعد أن تأكدت أنه لن يكون هناك مستقبل لها فى وجود الضباط الاحرار ، وبعد أن إلتف الشعب بأكمه حول قادة هذه الثورة ..

فالكراهية كامنة فى نفوسهم دائمًا ، وإن إضطرتهم الظروف أحيانًا إلى التراجع ظاهريًا فقط عن مبادئهم الخفية ، كمشروع الدولة الإسلامية التى كانوا يتغنون بها ليلًا ونهارًا ، وأكبر دليل على ذلك معارضتهم للوحدة مع سوريا ..

والحقيقة ، أن التلون والتراجع عن بعض مبادئهم الواردة فى أبجديات تأسيس هذا التنظيم والأخذ بمبدأ “التقية” ، أمرٌ مألوف منذ تأسيسه على يد حسن البنا فى ٢٢ مارس عام ١٩٢٨ بالتعاون مع الإحتلال البريطانى تلك الدولة الإستعمارية التى لازالت توفر لهم الملاذ الآمن والدعم المالى واللوجستي حتى الآن ..

فمبدأ الكذب والتقية متلازمان مع تنظيم الإخوان الارهابي منذ عهد حسن البنا ولم يتخلوا عن “تقيتهم” فى أى لحظة ، بل وإعتبروها أصلًا من أصول العمل الحركى للجماعة ..

وتقية الإخوان لا تختلف عن تقية الشيعة فى شىء ، فهم يعتبروها وسيلة من وسائل التمكين والسيطرة ، وقد طبقوها كثيرًا ، فى إطار “الإنتهازية الإخوانية” ..

والحقيقة أن كراهية الإخوان لثورة يوليو ، ما هى إلا حلقة من دائرة تمثل مفهوم “الوطن” عند هذه الجماعة ، حيث تظل هذه النقطة محل الخلاف الجوهرى بين التنظيم الدولى للإخوان وبين أى دولة وطنيه ..

فالوطن وفقًا للرؤية الإخوانية هو الدولة الإسلامية الكبرى ، وأن حسن البنا وجماعته ينظرون الى الوطن بمفهومه السياسي المعاصر  على انه حدودٌ على خرائط صنعها الإستعمار ..

ومن منطلق هذا المفهوم  يخطو التنظيم خطوات نحو هدم الأوطان المستقرة ، والإستماتة لنشر الفوضى والعنف وتأليب الرأى العام ، وإلا ما قال سيد قطب : أن الوطن حفنة من تراب عفن ، وما إعتبره حسن البنا : حدود إستعمارية مصطنعة على خرائط ، وما قال المرشد مهدى عاكف : طز فى مصر ..

إن المراقب لجرائم الإخوان قبل ثورة يوليو وبعدها ، والتى تتراوح ما بين التكفير والتصفية الجسدية والإغتيالات وترويج الشائعات والتخابر ، يجد أن هذه الجرائم قد أُضيف لها خلال سنة حكمهم لمصر جرائم تشريعية لا تقل خطورة عن غيرها ، كمحاصرة المحكمة الدستورية فى إطار الإستحواز على مؤسسات الدولة وتشكيل حرسٍ ثورى والإعلان الدستورى بهدف تقنين الدكتاتورية الإخوانية وإنتخاب مجلس شعب جديد ظناً منهم أنهم سيبقون فى الحكم ٥٠٠ عامًا..

فضلًا عن محاولاتهم المستميتة لزرع قياداتهم وعناصرهم بمراكز القوى بالدولة فيما عُرف ببرامج الأخونة ، بما شمل قصر الرئاسة الذى كان به ثمانية من هذه العناصر القيادية ..

وأخيرًا وبعد مرور ١٣ عامًا على السقوط التاريخى لهذه الجماعة الإرهابية فى ٣٠ يونيو ٢٠١٣ ، يعيش الإخوان حالة من التشرذم بين ملاحقات ومحاكمات  بعد أن بُترت أزرعهم  وقلمت أظافرهم ، وما كان هذا ليتحقق سوى بتلاحم الشعب مع جيشه الوطني الحارث الأمين لثرواته ومقدراته على مر العصور ..

وإن كان الأمر يستلزم من مؤسسات الدولة الوطنية المصرية توخى الحيطة والحذر دائمًا حيال وسائلهم الدنيئة التى تواكب التقدم الرقمى والسيبرانى السريع فى عالم اليوم ..

كاتب المقال د. محمد المنشاوي سياسي وأديب ، نائب رئيس تحرير وكالة أنباء الشرق الاوسط للشؤون الدولية والتعاون الدولي ، وكبير محرري شئون رئاسة الجمهورية سابقًا ، والحائز على جائزة “ملهم الدولية – وشخصية العام لسنة ٢٠٢٤ ” فى مجال الإعلام الهادف والتثقيف السياسي ” من منتدى رواد الأعمال العرب).

 اقرأ أيضا د. محمد المنشاوي يكتب لـ «30 يوم»: ٢٣ يوليو .. وجرائم الإخوان..(١/٢)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى