سامي صبري يكتب لـ «30 يوم»: المجالس المحلية تنتظر إرادة سياسية (5)
تحدثت فى المقالات السابقة عن التطور التاريخى لنظام الإدارة المحلية، وكيف نجح المصريون فى إجبار المستعمر على إنشاء مجالس بلدية، كانت النواة الأولى لتأسيس المجالس المحلية الشعبية بمعناها الحديث.
وتطرقت إلى الدساتير والقوانين المتعاقبة التى تحكم عمل المجالس المحلية بجناحيها الشعبى والتنفيذى، وإلى أساليب وأنظمة انتخابها، منذ أن بدأت بالانتخاب والتعيين لعدد من الأعضاء ثم الانتخاب بالقوائم الحزبية، وأخيرا النظام المختلط الذى يجمع بين الفردى والقائمة كما يحدث فى انتخابات البرلمان.
وما أن اندلعت ثورة 25 يناير 2011 حتى توقفت هذه المجالس عن العمل قبل أن تصيبها رصاصة سياسية أدخلتها غرفة الإنعاش، ولم تزل فى هذه الغرفة تعانى سكرات الموت، تنتظر دواء ينقذها، وقانونا جديدا يمنحها قبلة الحياة ويعيدها إلى الساحة السياسية، تراقب وتحاسب القيادات التنفيذية ؛ بما تملكه من صلاحيات دستورية وأدوات رقابية شعبية.
ومنذ سنوات، ونحن نسمع عن مناقشات وحوارات لإعادة هذه المجالس مرة أخرى؛ كى تشارك فى مسيرة تنمية المحافظات، ولكن يبدو أن الإرادة السياسية لم تتوفر بعد لإخراج تلك المجالس من الغرفة المرعبة.
والسؤال الآن.. لماذا كل هذا التأخير؟ وهل السبب كما يقال هو (لوبى البرلمان) الذى يخشى عودة المجالس المحلية، وسحب البساط من تحت أقدام أعضاء مجلس نواب لا ياتون إلى دوائرهم إلا فى المناسبات، يرافقون خلالها الوزير فلان أو المحافظ علان؛ كى يستمروا فى الصورة فقط، دون تقديم خدمات أو أفعال حقيقية أو حتى المساهمة فى قوانين تخدم الشعب بشكل عام، بعد ضمنوا كرسى المصالح الخاصة ( المتكلف) ملايين.
أم أن السبب هو رغبة النظام فى مزيد من الهدوء السياسى، وتجنب صداع المجالس المحلية، وما تسببه أعمالها الرقابية فى كشف الفساد وفقدان الثقة فى وزراء وقيادات تنفيذية ومسئولين كبار فشلوا فى تحقيق طموحات وآمال المواطنين؟… مجرد تساؤلات يسكن عقل المواطن ويشعل ذكاءه الفطرى.
إن هذا الغياب الطويل الذى يحمل جريمة تعطيل بعض مواد الدستور، ليس فى صالح النظام ولا الوطن، ويعوق أداء الحكومة، ويزيد من حالة الفوضى الإدارية، ويسهم فى توسيع رقعة فساد المحليات، وإهدار المال العام، وغياب الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، ويضرب الحياة السياسية فى مقتل، عندما يتوقف نبضها الجماهيرى عن العمل.
الشعب يريد قانونا شاملا للإدارة المحلية وليس قرارا بقانون، يمنح القوى السياسية والأحزاب بمختلف تياراتها الفرصة لأن تؤدى دورها المنتظر فى تنشيط العملية السياسية باختصاصات جديدة ونظام انتخابى يناسب الموروث الشعبى والسياسى المصرى ويواكب التحديات، وهو من وجهة نظرى الانتخاب الفردى الذى سيخدم المحافظة ومدنها وقراها فى شتى المجالات بعيدا عن مركزية القرارات.
فعندما تمتلك المحافظة مجلسا محليا قويا، ستضع روشتة عاجلة لحل مشاكلها وتحقيق مطالب المواطنين دون انتظار الحل المقبل من السلطة المركزية، والذى غالبا ما يتأخر أو يأتى بعيدا عن نبض الشارع ولا يلبى طموحات الجماهير.
الشعب يريد مجالس شعبية محلية تمارس اختصاصاتها وحقوقها الدستورية والقانونية بما يتمناه الناس، وليس بما يسمح به النظام ورجاله، كما كان يحدث فى عهد الرئيس الراحل مبارك عندما كان يجمع تشكيل المجالس بين التعيين والانتخاب، قبل أن يخضع تماما لسيطرة الأحزاب وقوائمها المطلقة المفسدة للديمقراطية، وكانت النتيجة سلبيات كثيرة حبست الكثير من قرارات تلك المجالس فى أدراج التوصيات وسلة المهملات.
إن لم تعد المجالس المحلية فى أقرب وقت وبالشكل السليم؛ فسنخسر كل ما بنيناه وحققناه من مكاسب وانجازات تنموية غير مسبوقة، منذ أن قامت ثورة 30 يونيو؛ لحماية الوطن، وإنقاذه من قبضة الإخوان… وللحديث بقية إن شاء الله عن الاختصاصات المنقوصة ونظام الانتخاب.
Samysabry19@gmailcom
اقرأ أيضا– سامي صبري يكتب لـ «30 يوم»: غياب المحليات ثغرة سياسية



