خالد إدريس يكتب لـ «30 يوم»: علينا الذهاب إلى الثقافة نفسها وليس الإنسان
قالت الدكتورة جيهان زكى، وزيرة الثقافة، أمام لجنة حقوق الإنسان بمجلس النواب: «سنذهب للمواطن بالثقافة ولن ننتظر حضوره إلينا»، بدا التصريح أقرب إلى اعتراف رسمى بأزمة مزمنة عانت منها السياسة الثقافية المصرية لعقود طويلة، فالمواطن بالفعل توقف عن الذهاب إلى الثقافة، ليس لأنه فقد اهتمامه بها، وإنما لأن المؤسسات الثقافية الرسمية هى التى ابتعدت عنه أولًا.
لقد أصبح من الصعب إقناع طفل من جيل «ألفا» بزيارة قصر ثقافة مغلق على أنشطة تقليدية، بينما يقضى ساعات يومه بين منصات الفيديو والألعاب الإلكترونية والمحتوى التفاعلى العالمى الذى يصل إليه بضغطة زر ويخاطب لغته واهتماماته وأحلامه.
كما أصبح من العبث الاعتقاد بأن شابًا من جيل «زد» يمكن استعادته عبر محاضرة تقليدية أو ندوة يحضرها عشرات الأشخاص، بينما يخوض يوميًا معركة انتباه شرسة مع منصات عالمية تنفق مليارات الدولارات على صناعة المحتوى وجذب المستخدمين وتحليل سلوكهم وتطوير أدوات التأثير فيهم.
لا يمكن الحديث عن عدالة ثقافية حقيقية بينما لا تزال الثقافة تحتل موقعًا متأخرًا فى أولويات الإنفاق العام، وتحصل على نسبة محدودة من الموازنة لا تتناسب مع حجم الدور المطلوب منها فى حماية الوعى الوطنى ومواجهة التطرف الفكرى والتفكك الاجتماعى والانحدار المعرفى.
فالدولة التى تنفق المليارات على البنية التحتية والطرق والكبارى تحتاج أيضًا إلى الاستثمار فى البنية التحتية للعقول، لأن المبانى الأسمنتية والطرق لا تستطيع وحدها بناء الإنسان أو حماية الهوية الوطنية.
وللحق قد تبدو مبادرات مثل «أتوبيس الفن» و«سينما الشعب»، ومنصة «E ثقافة» خطوات إيجابية تستحق التقدير، لكنها تظل أقرب إلى الإسعافات الأولية والمسكنات منها إلى العلاج الجذرى للمشكلة.
فأتوبيس الفن يستطيع أن يصل إلى قرية أو نجع ليوم أو يومين، لكنه لا يستطيع أن يعوض غياب المسارح المغلقة أو المكتبات المهجورة أو قصور الثقافة التى تعانى نقص التمويل وضعف الإمكانيات وغياب الكوادر المدربة.
أما «سينما الشعب» فتعيد بعضًا من حق المواطن فى الوصول إلى الفن بأسعار مناسبة، لكنها لا تستطيع وحدها تعويض سنوات طويلة من تراجع دور السينما فى المحافظات وترك المجال لمنصات البث العالمية لتصبح المصدر الرئيسى لتشكيل الذوق والوعى لدى الأجيال الجديدة.
أما منصة «E-ثقافة» فهى تدخل إلى ساحة مزدحمة بلاعبين عالميين يمتلكون خبرات وتقنيات وميزانيات تتجاوز ميزانيات وزارات ثقافة كاملة فى العالم النامى.
التعامل مع جيل «زد» لا يتحقق بمجرد رقمنة المحتوى الورقى أو رفع تسجيلات الندوات على الإنترنت، لأن هذا الجيل لا يبحث عن المعلومات فقط، بل يبحث عن التفاعل والسرعة والصورة والإيقاع السريع والتجربة الرقمية الكاملة.
إن المنافس الحقيقى لمنصة الثقافة الرقمية المصرية ليس المنصات المحلية الأخرى، وإنما عمالقة التكنولوجيا العالمية الذين ينجحون كل يوم فى احتلال ساعات أطول من حياة الشباب المصرى وتشكيل وعيه وذوقه وقيمه.
ويبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: هل تستطيع قصور الثقافة استعادة جيل «ألفا» الذى لم يعرفها أصلًا؟
فالكثير من الأطفال ولدوا وكبروا دون أن يدخلوا مسرحًا حكوميًا أو مكتبة عامة أو يشاركوا فى نشاط فنى داخل مؤسسة ثقافية رسمية، بينما أصبحت الهواتف الذكية هى المدرسة الموازية، وأصبحت خوارزميات المنصات الرقمية هى التى تقرر ما يشاهدونه وما يفكرون فيه وما يعتبرونه نجاحًا أو قدوة.
إن استعادة هذا الجيل لن تتحقق بطلاء المبانى أو تغيير اللافتات أو افتتاحات احتفالية، وإنما بإعادة بناء المشروع الثقافى المصرى بالكامل، وإعادة تعريف دور المؤسسة الثقافية لتصبح مساحة للإبداع الرقمى والفنون التفاعلية والذكاء الاصطناعى وصناعة المحتوى الحديث.
فالعدالة الثقافية لا تعنى فقط توزيع الأنشطة على المحافظات، وإنما تعنى ضمان حق كل طفل وكل شاب فى الوصول إلى المعرفة والفنون والأدب والمسرح والسينما، بغض النظر عن مكان إقامته أو قدرته الاقتصادية.
ومعركة الوعى التى تتحدث عنها الدولة لن تُحسم بالخطابات ولا بالشعارات، وإنما بالموازنات العامة وأولويات الإنفاق والسياسات طويلة المدى.
فالأمم لا تفقد مكانتها الإقليمية حين تخسر معركة السلاح، بل حين تخسر معركة التأثير واللغة والفن والهوية.
وقد كانت مصر لعقود طويلة تصدر الكتاب والأغنية والسينما والمسرح والفكرة، فصنعت بذلك نفوذًا لم تستطع الجيوش ولا الاتفاقيات السياسية أن تصنعه. استثمارمصر
أما اليوم فإن استعادة الدور الريادى للقوة الناعمة المصرية تبدأ بسؤال بسيط ومؤلم فى الوقت نفسه: هل ما زلنا نتعامل مع الثقافة باعتبارها استثمارًا فى المستقبل، أم باعتبارها بندًا يمكن الاستغناء عنه عند إعداد الموازنة؟
فإذا كانت الحكومة جادة حقًا فى أن تذهب الثقافة إلى المواطن، فعليها أولًا أن تذهب بالمخصصات والموارد والإرادة السياسية إلى الثقافة نفسها.
Khalededrees2020@gmail.com
اقرأ أيضا – خالد إدريس يكتب لـ «30 يوم»: السوشيال ميديا .. محكمة بلا قاضِ وشهادة بلا دليل

