توبكُتّاب وآراء

د. محمد المنشاوي يكتب لـ «30 يوم»: فوضَى “الكلمة” وإنعدام أمانتها وقدسيتها..!!

توقفت طويلاً عند كلماتٍ من ذهب للإمام الحُسين بن على بن أبى طالب رضى الله عنهما فى حواره مع الوليد بن عُتبة بن أبى سفيان أمير المدينة فى عهد يزيد بن معاوية بن أبى سفيان عندما ذهب إليه ليطلب منه مبايعة يزيد خلفاً لأبيه…

وجاء توقفى عند هذه الكلمات التاريخية فى وقتٍ يعِجُ فيه الخطاب الإعلامى والسياسى والدينى والإجتماعى على المستويات المحلية والدولية ، بسيل من الكلام والكلمات يفتقر للموضوعية والأمانة والقدسية ليتأكد لنا حقيقة مفادها “أنه عندما تُستباح الكلمة تتوحش الإنسانية”!!..

 نعم من ذهب ، فهى لسِبط رسول الله صلى الله عليه وسلم والوارث لمدينة العلم المحمدى وإبن مَنْ قال النبى فى حقه “أنا مدينة العلم وعلىُ بابها” علىُ الكرار وارث النبى المختار وأبو الأئمة الأبرار الحاضر للغزوتين بدر وحنين الرامى بالرمحين الضارب بالسيفين زوج فاطمة البتول قرة عين طه الرسول…..  

ففى شهر رجب سنة ستين هجرية،بُويع يزيد للخلافة بعد وفاة أبيه معاوية بن أبى سفيان ، فكان هَمُهُ الأكبر أن يحصل على بيعةِ تلك المجموعة النشطة المؤثرة من قادة الرأى فى مجتمع المدينة والتى رفضت من قبل مبايعة أبيه معاوية وكان على رأسها الإمام الحسين..

 فكتب يزيد إلى الوليد بن عُتبة حاكم المدينة أن يذهب إلى الحُسين ليقتنص منه “كلمة” البيعة بالخلافة الإسلامية ليزيد بن معاوية ..فدار هذا الحوار التاريخى بين الوليد والحسين: –

 قال الوليد مخاطبًا الحسين:نحن لا نطلب إلا كلمة ، فلتقل:”بايعت” وإذهب بسلام إلى جموع الفقراء ، فلتقلها وإنصرف يا إبن رسول الله حقناً للدماء ، قلها فما أيسرها ما هى إلا كلمة..

 رد الحسين (منتفضًا): كبُرت كلمةً.. وهل البيعة إلا كلمة؟؟..ما دين المرء سوى كلمة ، ما شرف الرجل سوى كلمة !!..

فرد مروان بن عبد الملك (بغلظة) وكان حاضراً لهذا اللقاء : قل الكلمة وإذهب عنا !!!..

  فجاء رد الحسين : أتعرف معنى الكلمة؟.. مفتاح الجنة فى كلمة.. ودخول النار على كلمة..وقضاء الله هو الكلمة..الكلمة لو تعرف حُرمة زاد مذخور.. الكلمة نور وبعض الكلمات قبور..بعض الكلمات قلاع شامخة يعتصم بها النبل البشري.. الكلمة فرقانٌ بين نبى وبغى.. بالكلمة تنكشف الغمة.. الكلمة نور ودليل تتبعها الأمة.. عيسى ما كان سوى كلمة .. أضاء الدنيا بالكلمات وعلمها للصيادين.. فساروا يهدون العالم.. الكلمة زلزلت الظالم .. الكلمة حصن الحرية..الكلمة مسئولية.. الرجل هو الكلمة.. شرف الرجل هو الكلمة.. لا رد لدى لمن لا يعرف معنى الكلمة..

فقال الوليد للحسين:قد بايع كل الناس إلا أنت فبايعه !!..

فرد الحسين: ولو وضعوا بيدى الشمس !! ..

فقال مروان موجهًا كلامه للوليد: أُُقتله.. أقتله بقول الله تعالى.. إبحث عن آيه..أقتله بقول رسول الله فيمن خرج عن الإجماع ..

 فرد الحسين : أتقتلنى يا إبن الزرقاء (نسبة إلى بنى أمية) بِقََوْلَةَ جدى فيمن نافق .. أتزيف فى كلمات رسول الله أمامى يا أحمق.. أتقتلنى يا شرَ الخلق.. أتؤول فى كلمات الله لتجعلها سوط عذاب تشرعه فوق إمرء صدق!!..

 لقد وصفت تلك الكلمات التاريخية الذهبية للحسين على نحو دقيق معنى ومدلول وخطورة “الكلمة” ، ماذا تعنى؟ كيف تكون؟إلى أين تؤدى وإلى أين تؤول؟ كيف تشكل ذاك العالم ، كيف تُفرق بين العدل وبين الظالم ، كيف تقيم الحق وكيف يكون الإنسان الصارم ..

 فقد روى الطبراني عن حديث أسود بن أصرم المحاربى ، قال: قلت يا رسول الله أوصني ، قال : ألك لسان؟ قلت:وما لى أملك إن لم يكن لى لسانى؟ قال: ألك يد؟ قلت: وما لى أملك إن لم يكن لى يدى؟ قال: لا تقل إلا بمعروف ولا تبسط يدك إلا بخير..

 وفى حديث سليمان بن سحيم عن أمه قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الرجل ليدنو من الجنة حتى يكون بينها وبينه ذراع حتى ينطق بكلمة فيتباعد عنها أبعد من صنعاء ..

وعن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: ما ندمت على سكوتى مرة ، لكنى ندمت على الكلام مرارًا ..وكما قال الله تعالى: “يُثَبِت الله الذين آمنوا بالقول الثابت فى الحياة الدنيا وفى الآخرة” ..

 والقرآن ما هو إلا كلام الله وأن دعوة الرسل والأنبياء بكلمة ، ودخولك الإسلام بكلمة وخروجك منه بكلمة والزواج بكلمةوالطلاق كلمةوالإعتذار كلمة والعفو كلمة والتسبيح كلمة والحمد كلمة والحياة كلمةوجرح مشاعر الناس كلمة ..

 وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل: وهل يكُب الناس على وجوههم فى النار إلا حصائد ألسنتهم .. 

وروى عن الإمام على بن أبى طالب رضي الله عنه:ضرب اللسان أشد من ضرب السِنان وسُنة اللئام قبح الكلام وصمت الجاهل ستره ورُبَ كلمة سلبت نعمهورُبَ لغوٍ يجلب شرًا…

 فليتدبر كل إنسان منا معنى ومدلول الكلمة.. فيا كل قاضي ومسئول وعالم ومُعلم وكاتب وأديب وإعلامى وحاكم وفنان ورجل دين ورجل قانونوشاعر ومؤلف ، لنستشعر أهمية وخطورة ما ننطق أو نكتب من كلمة ، “يا أيها الذين آمنوا إتقوا الله وقولوا قولاً سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم “..

 علينا أن نسعى من أجل “الكلمة” ، لنجعلها أسن من نِصال السيوف فى خدمة صوت الحق الصادع ، لنصنع بها أجيالاً شرفاء بدلاً من صِنف طوابير العملاء،ولندفع بها كل بلاء يأتى من قِبل الأعداء ..

 فللكلمة قدسية وقدسيتها مقياس تقدم الحضارة الإنسانية وتقدمها ، فعندما تستباح “الكلمة” تتوحش الإنسانية وتنهار الدول والممالك وتعانى البشرية ، فأعظم قادة العالم نجحوا بالكلمة وسقطوا أيضا بالكلمة ، فالكلمة طوق نجاة لمن ينطقها إن أدرك قوتها وسلطانها وأحسن إستخدامها ، وراعى حرمتهاوقدسية مسئوليتها ..

كاتب المقال د. محمد المنشاوي سياسي وأديب ، نائب رئيس تحرير وكالة أنباء الشرق الاوسط للشؤون الدولية والتعاون الدولي ، وكبير محرري شئون رئاسة الجمهورية سابقًا ، والحائز على جائزة “ملهم الدولية – وشخصية العام لسنة ٢٠٢٤ ” فى مجال الإعلام الهادف والتثقيف السياسي ” من منتدى رواد الأعمال العرب).

 اقرأ أيضا- د. محمد المنشاوي يكتب لـ «30 يوم»: الأم التى تناجى طفلها وهى تحتضر ..!!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى