توبكُتّاب وآراء

الإعلامي خالد سالم يكتب لـ «30 يوم»: لماذا الأوكتاجون؟

تعني كلمة الأوكتاجون (Octagon) في الأصل الهندسي “مُثمّن الأضلاع”.. أما سياسياً وعسكرياً، فهي تُطلق على مركز قيادة الدولة الإستراتيجي.. أو الرأس التي تدير سياسيا وعسكريا…

وفي عالم لم تعد الحروب فيه تبدأ بإطلاق الرصاصة الأولى، بل قد تبدأ بضغطة زر أو ضربة دقيقة تستهدف مراكز القيادة وصناعة القرار، أصبحت حماية الدولة لا تعني فقط امتلاك جيش قوي، وإنما امتلاك منظومة قيادة قادرة على الاستمرار في إدارة المعركة مهما كانت الظروف.

لقد كشفت الصراعات الحديثة أن الهدف الأول لأي خصم لم يعد الجندي في الميدان، بل “عقل الدولة”. فإرباك القيادة أو تعطيل منظومة اتخاذ القرار قد يكون أكثر تأثيرًا من تدمير عشرات المواقع العسكرية.

ومن هنا تغيرت مفاهيم الأمن القومي في مختلف دول العالم، وأصبحت مراكز القيادة الاستراتيجية جزءًا لا يتجزأ من قوة الدولة وقدرتها على الصمود.

وفي هذا السياق، يأتي الأوكتاجون باعتباره أحد أبرز المشروعات الاستراتيجية التي تعكس رؤية مصر الحديثة في بناء منظومة دفاعية متطورة، لا تقتصر على إدارة القوات المسلحة، بل تهدف إلى ضمان استمرارية القيادة والسيطرة في مختلف الظروف، بما يواكب طبيعة التحديات العسكرية والتكنولوجية المعاصرة.

إن أهمية الأوكتاجون بالنسبة لمصر لا تكمن في حجمه أو تصميمه المعماري فقط، وإنما في فلسفة إنشائه. فالدول التي تستعد للمستقبل لا تنتظر وقوع الأزمات، بل تبني مؤسساتها على أساس القدرة على إدارة أسوأ السيناريوهات قبل حدوثها.

لقد شهد العالم خلال السنوات الأخيرة تطورًا كبيرًا في مفهوم ما يعرف بعمليات “قطع الرأس”، وهي العمليات التي تستهدف القيادات السياسية والعسكرية ومراكز القيادة بهدف إرباك الدولة وشل قدرتها على اتخاذ القرار في الساعات الأولى من أي مواجهة. وأثبتت التجارب الدولية أن الدولة التي تمتلك منظومة قيادة بديلة ومؤمنة تكون أكثر قدرة على احتواء الأزمات والحفاظ على تماسك مؤسساتها.

ومن هنا تبرز القيمة الحقيقية للأوكتاجون بالنسبة لمصر.

فهو ليس مجرد مقر لوزارة الدفاع، بل مركز قيادة استراتيجي متكامل يجمع أحدث نظم القيادة والسيطرة والاتصالات وإدارة العمليات، بما يضمن استمرار عمل مؤسسات الدولة ذات الصلة بالأمن القومي حتى في أكثر الظروف تعقيدًا.
كما يعكس المشروع إدراكًا واضحًا بأن الأمن القومي المصري لم يعد يقتصر على حماية الحدود البرية فقط، وإنما يمتد إلى دوائر أوسع تشمل البحر الأحمر، وشرق البحر المتوسط، والعمقين العربي والأفريقي، وهي مناطق ترتبط ارتباطًا مباشرًا بالمصالح الاستراتيجية المصرية.

ومن أبرز ما يميز الأوكتاجون اعتماده على بنية رقمية متطورة تضم مراكز للبيانات، وأنظمة للاتصالات، وإدارة الأزمات، ومتابعة المرافق الحيوية، بما ينسجم مع التحول العالمي نحو الإدارة الذكية للدولة، ويعزز من سرعة اتخاذ القرار في أوقات الطوارئ.

كما أن تصميمه الهندسي، المستلهم من الحضارة المصرية القديمة، يحمل رسالة تتجاوز الجانب المعماري، مفادها أن مصر تجمع بين عراقة التاريخ وقدرات الدولة الحديثة، وأن مؤسساتها العسكرية تواصل التطور بما يتناسب مع طبيعة العصر.
ولا ينبغي النظر إلى هذا المشروع باعتباره رسالة عسكرية فقط، بل باعتباره استثمارًا في استقرار الدولة. فالدول القوية لا تُقاس فقط بعدد جنودها أو حجم تسليحها، وإنما بقدرتها على الحفاظ على استمرارية مؤسساتها، وضمان كفاءة منظومة القيادة في أصعب الظروف.

إن الأوكتاجون يجسد مفهومًا حديثًا للأمن القومي، يقوم على الاستعداد، والمرونة، واستمرارية القيادة، والتكامل بين التكنولوجيا والإدارة والقدرة العسكرية. وهذه هي المعايير التي أصبحت تميز الدول القادرة على مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين.

وفي النهاية، يبقى الأوكتاجون بالنسبة لمصر أكثر من مجرد منشأة عسكرية ضخمة؛ إنه رمز لرؤية استراتيجية تؤمن بأن حماية الوطن تبدأ بحماية مؤسساته، وأن قوة الدولة الحقيقية تكمن في جاهزيتها قبل أن تُفرض عليها المواجهة.
مصر لا تبني الأوكتاجون استعدادًا لحرب، بل تبنيه حفاظًا على السلام بقوة، وحمايةً لقدرة الدولة على البقاء والصمود، مهما تغيرت طبيعة التحديات.

كاتب المقال : خالد سالم – إعلامي .. نائب الامين العام لاتحاد الإعلاميين الأفريقي الأسيوي

اقرأ أيضا– الإعلامي خالد سالم يكتب لـ «30 يوم»: السرقة أنجس مهنة.. والأمن أسمى مهنة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى