فاتن فريد تكتب لـ «30 يوم»: صفعة على الخد الآخر
لم أستطع بحال تجاهل الحادث الأخير لهدير بائعة الشاي، لم أستطع أن أكبت مشاعري وأصرخ صرخة احتجاج عما حدث وأكتفي بما قيل وكتب.
نستيقظ الأسبوع الماضي على حادث لمصرع فتاة كانت تقف على عربة شاي، بائعة أو شارية، دهسا تحت عجلات سيارة تقودها طفلة لم تتعد الرابعة عشر من عمرها، لا يصدمنا الحادث، فكم من ضحايا حوادث طرق نقرأ عنهم كل يوم وهى حوادث نترحم على ضحاياها ونتقبل قضاء الله وقدره، ولكن ما أفزعنا جميعا وأهاج مشاعرنا، صغيرنا وكبيرنا، تفاصيل الحادث نفسه وما حدث من تلك الطفلة البريئة عقبه، تفاصيل تصيب بالغثيان وتدل، إن دلت، على مجتمع اختلطت عليه المعايير.
فتاة في الرابعة عشر من عمرها تقود سيارة إلى جوار من زعم الأب أنه صديقها وترتكب هذا الحادث البشع وتخرج من السيارة لتكمل الاستهانة واللامبالاة باخراج لسانها وحركات بذيئة بيدها، هل ينتهي الحادث هنا؟؟ هل تعلن المحكمة حكمها وتقفل أوراق القضية؟؟ ألم يئن الأوان لنفتش في أنفسنا ونبحث عن أخطائنا، بل خطايانا.
لقد أخرجت هذه الطفلة لسانها للمجتمع ككل وليس لمن يصور فقط، هى ليست المتهمة فقط ولكنها الضحية أيضا، أكاد أجزم أنها لا تعرف ما ارتكبت من جرم، لا تدرك حقوق الآخرين وحدود الحرية ومعناها، ولا جرم عليها في ذلك، طفلة الأربعة عشر عاما هى الجاني والمجني عليه معا، ضحية ومرآة لما آل إليه حال المجتمع ووصل إليه من السعي المحموم وراء جمع المال حتى أهلكنا أرواحنا فلم يعد بها مكان لاحساس بآخر، لم يعد لدينا وقت لنربي أولادنا أو نرشدهم ونوجههم بالكاد نقابلهم لنعطيهم فلوس الدرس أو فلوس الفسحة في المول أو الكافيه، بل لم نعد نحن أنفسنا قدوة. لقد بح صوتنا ونحن ننادي بأن تعود التربية إلى مدارسنا قبل التعليم، فجودي من المتفوقين دراسيا، نحتاج إلى أن نهذب أنفسنا وننتبه بعد أن جعلتنا مطالب الحياة وحوش تتكالب على المادة وتتهافت فقط على أوراق البنكنوت دون أي اعتبارات أخري. لا أندهش اطلاقا من موقف الأب والأم، فما هما إلا اناء جاءت تصرفات طفلتهما لتنضح وتفضح ما فيه.
نحن نواجه مأساة مكتملة الأركان، صفعة ولطمة كالعادة جعلتنا نتعري أمام أنفسنا ونتقزز منها، أسرة لديها طفلة في الرابعة عشر من عمرها ربتها أسرتها على وجود صديق لها يخرج معها وحدهما ويتنزهان ويلتقطان الصور وهما يحتضنان بعضهما البعض، لم يتح لهذه الأسرة الوقت الكافي لتعلمها الحلال والحرام أو حدود الفتاة مع الزملاء أو الأقارب من الجنس الآخر، لم تعرف قيمة الحياة ولا احترام الآخرين وحقوقهم، كانت تلهو، فقط قادت السيارة كي تلهو بها. صدقوني يا سادة هذه الفتاة لم تتعلم أن للآخرين حقوق وأن لها حدود. لم أندهش لهذا الحادث فلم يكن هو المؤشر الأول ولن يكون الأخير عن الهاوية التي نتساقط فيها واحدا تلو الآخر، فتشوا في ذاكرتكم، وابحثوا على جوجل عن كم جرائم وبذاءات ارتكبها أطفال مؤخرا في حق آخرين، أقارب أو غير ذلك، اسألوا أنفسكم هل حاسبنا الأهل على تقصيرهم قبل أن نحاسب الطفل؟، هل راجعنا أنفسنا وأفعالنا وعاهدنا أنفسنا على التغيير؟؟ هل اعترفنا بأخطائنا وغفلتنا في حق فلذات أكبادنا؟؟ لقد أسقط هذا الحادث ورقة التوت وكشف عن المستنقع الفكري الذي سقطنا فيه بمحض ارادتنا، وبأننا أسقطنا التربية من قائمة اهتماماتنا وأدرجناها في قائمة الحرية الشخصية ليأتي أي شئ آخر في المقدمة.
أذكر في تسعينيات القرن الماضي مسلسل ضمير أبلة حكمت، ناظرة المدرسة التي لم يكن التعليم فقط كل اهتمامها بل بحثت دائما عن الأخلاق والفضائل، لم تتوان عن الوقوف وحيدة أمام الظلم لرد الحقوق لأصحابها وأصرت على معاقبة المخطئ بما يستحق ليكون عبرة وعظة. ليس لدي أدني شك في قضائنا العادل ولكن ألم يئن الأوان بعد لنضع أولادنا نصب أعيننا وتكون التربية الأولوية والمعيار؟ هل من راع للقيم والأخلاق يقوم بواجبه ويؤدي دوره!!؟ نحن في أمس الحاجة للانسانية في حياتنا ولضمير أبلة حكمت في مدارسنا قبل أن نفيق على صفعة على الخد الآخر.
موضوعات ذات صلة
فاتن فريد تكتب لـ «30 يوم»: ملف اللاجئين.. لم يغلق بعد
فاتن فريد تكتب لـ «30 يوم»: كلاب الشوارع.. كلاكيت تاني مرة



