د.جيهان فؤاد تكتب لـ «30 يوم»: قبل أن نحاكم الناس… من الذي ربّى التريند؟
ليس أصعب على الإنسان من أن يشعر أنه لم يعد يعرف مجتمعه الذي عاش فيه وأحبه وآمن بقيمه.
كل يوم نستيقظ على خبر يثير الدهشة أو الحزن أو الخوف.
جريمة بشعة هنا، ومشهد عنف أسري هناك، وفيديو صادم يتصدر المشاهدات، وسيل من المحتوى الذي يقتحم البيوت والعقول بلا استئذان.
حتى أصبح السؤال يتردد على ألسنة كثيرين: ماذا حدث للمجتمع؟ وكيف وصلنا إلى هذه المرحلة؟
الحقيقة أن ما نراه اليوم لم يولد فجأة، ولم يهبط علينا من السماء.
فالمجتمعات لا تتغير بين ليلة وضحاها، وإنما تتغير بالتراكم.. كل قيمة يتم التنازل عنها بحجة التطور، وكل سلوك يتم التسامح معه بحجة الحرية، وكل تفاهة يتم الاحتفاء بها بحجة الترفيه، تترك أثرًا صغيرًا في الجدار.
ومع الوقت تتسع الشروخ حتى نفاجأ بأن الجدار كله أصبح مهددًا.
لقد شهدت السنوات الأخيرة انقلابًا هائلًا في معايير الشهرة والنجاح.. كان المجتمع يرفع من شأن العالم والمفكر والطبيب والمعلم والكاتب وصاحب الإنجاز.
أما اليوم، فقد أصبح بعض المشاهير لا يملكون من أسباب الشهرة سوى إثارة الجدل أو صناعة الصدمة أو اقتحام الخصوصيات.
أصبح البعض مستعدًا لفعل أي شيء أمام الكاميرا، لا لأنه يؤمن بما يفعل، بل لأنه يعرف أن الضجيج يحقق انتشارًا أسرع من القيمة، وأن الإثارة تجلب المتابعين أكثر مما يجلبهم العقل والمعرفة.
وهنا تكمن المأساة الحقيقية.
فالمشكلة ليست في شخص يقدم محتوى هابطًا، وإنما في منظومة كاملة تسمح لهذا المحتوى بأن يصبح بطلًا، وتمنحه الأضواء والمنصات والعقود والدعاية، بينما يظل أصحاب الفكر والخبرة في الصفوف الخلفية.
ولذلك فإن السؤال الصحيح ليس: لماذا ظهر هؤلاء؟
بل: لماذا صنعنا لهم كل هذه المساحة؟
كيف أصبح أصحاب التفاهة نجومًا، وأصحاب الرسالة ضيوفًا عابرين؟
كيف تحول التريند من مجرد مؤشر اهتمام إلى معيار للحقيقة والقيمة والمكانة؟
وكيف اقتنع البعض أن عدد المشاهدات أهم من جودة الفكرة؟
ثم نأتي إلى الأسرة…
تلك المؤسسة التي كانت الحصن الأول للمجتمع. لا أحد يستطيع أن ينكر حجم الضغوط الاقتصادية والنفسية التي تواجه الأسرة المصرية اليوم، لكن ما يثير القلق هو أن الخلافات لم تعد تُحل داخل البيوت، بل أصبحت تُبث أحيانًا على الملأ. وتحول الهاتف المحمول عند البعض من وسيلة اتصال إلى شاهد دائم على الخصومات والمشاحنات والانفعالات.
الأب يضعف دوره، والأم تُرهقها أعباء الحياة، والأبناء يتلقون تربيتهم من الشاشات أكثر مما يتلقونها من الأسرة والمدرسة.
أما المدرسة، فقد دفعت ثمن سنوات طويلة من التحديات والتغيرات. فتراجع دورها التربوي في نظر كثيرين، وأصبح النجاح عند بعض الطلاب مرتبطًا بالحصول على الدرجات لا باكتساب المعرفة. ومع هذا التحول فقدت العملية التعليمية جزءًا مهمًا من رسالتها الأصلية: بناء الإنسان.
ولا يقل الإعلام مسؤولية عن ذلك.
فالإعلام ليس مرآة للمجتمع فقط، بل هو أيضًا شريك في تشكيل وعيه. وعندما يتحول السباق من البحث عن الفكرة إلى البحث عن المشهد الأكثر إثارة، فإن النتيجة الطبيعية هي تضخم الظواهر السلبية حتى تبدو وكأنها الصورة الوحيدة للمجتمع.
ومع ذلك، فإن الظلم الأكبر هو أن نختزل مصر في هذه المشاهد.
ففي كل شارع قصة نجاح لا تتصدر الشاشات، وفي كل مدينة شباب يعملون ويجتهدون ويحلمون، وفي كل بيت أم تكافح وأب يتحمل مسؤولياته ومعلم يؤدي رسالته وطبيب يسهر من أجل مرضاه.
مصر ليست فيديو صادمًا على منصة، ولا جريمة تتصدر العناوين، ولا تريندًا عابرًا يملأ الفضاء الإلكتروني.
مصر أكبر من ذلك بكثير.
لكن حب الوطن لا يعني تجاهل الأخطاء، بل الاعتراف بها ومواجهتها. فالمجتمعات التي تخشى النقد الصادق لا تتقدم، والمجتمعات التي تبرر كل شيء تفقد قدرتها على التصحيح.
نحن بحاجة إلى ثورة وعي هادئة، تعيد الاعتبار للقيم دون تشدد، وللحرية دون فوضى، وللنجاح دون ابتذال، وللشهرة حين تكون نتيجة إنجاز لا نتيجة ضجيج.
فالأوطان لا تسقط حين تضعف مواردها، بل حين يختل ميزانها الأخلاقي، وتضيع البوصلة بين ما يستحق الاحترام وما يستحق التجاهل.
ويبقى الأمل قائمًا…
لأن مصر التي عبرت حروبًا وأزمات وانكسارات كبرى، قادرة أيضًا على عبور أزمة الوعي، متى أدركنا جميعًا أن بناء الإنسان هو المشروع الوطني الأكبر، وأن حماية القيم ليست مهمة الدولة وحدها، بل مسؤولية مجتمع بأكمله…
المحامية بالنقض ونائب رئيس مجلس ادارة مؤسسة ميريت للدراسات الاستراتيجية
اقرأ أيضا – د.جيهان فؤاد تكتب لـ «30 يوم»: التنمر الإلكتروني.. الوجه المظلم لعصر التواصل


