توبكُتّاب وآراء

الإعلامي خالد سالم يكتب لـ «30 يوم»: مدرسة المشاغبين بالألوان

شاهدتُ بالأمس المسرحية الأشهر مدرسة المشاغبين على شاشة MBC مصر، ولكن هذه المرة لم تكن كما اعتدناها؛ فقد ظهرت بألوان طبيعية نابضة بالحياة بعد عقود طويلة عشناها بالأبيض والأسود.

التجربة كانت مدهشة، ومربكة في الوقت نفسه.. أعرف جيدًا أن صديقي العزيز الفنان وسيم فتال كان وراء هذه المغامرة التقنية، مستخدمًا أحدث أدوات التلوين الرقمي لإعادة تقديم العمل للأجيال الجديدة بصورة مختلفة. والحقيقة أنني طوال العرض كنت أتنقل بين شعورين متناقضين؛ الأول هو الانبهار بما وصلت إليه التكنولوجيا، والثاني هو الحنين إلى روح الصورة الأصلية التي ارتبطت بذاكرتنا الجماعية.

لقد بدت ملامح النجوم أكثر قربًا، والديكورات أكثر دفئًا، وكأن الزمن قد عاد للحياة من جديد. رأينا ألوان ملابس عادل إمام وسعيد صالح ويونس شلبي وأحمد زكي وكأنهم يؤدون المسرحية اليوم لا قبل نصف قرن. لكن السؤال الذي ظل يطاردني:

هل أضافت الألوان حقًا إلى قيمة العمل؟ أم أننا نحاول إعادة كتابة ذاكرة بصرية تشكلت أصلًا بالأبيض والأسود؟

في الحقيقة، قضية تلوين الأعمال الكلاسيكية ليست جديدة. فقد بدأت هوليوود منذ ثمانينيات القرن الماضي في تلوين أفلام السينما القديمة باستخدام تقنيات رقمية بدائية نسبيًا، قبل أن تتطور العملية لاحقًا مع الذكاء الاصطناعي ومعالجة الصورة الحديثة. وكانت هناك موجة واسعة من الجدل عندما تم تلوين أفلام لنجوم مثل Charlie Chaplin وأعمال كلاسيكية أمريكية شهيرة، حيث اعتبر بعض النقاد أن التلوين “اعتداء على روح الصورة الأصلية”، بينما رأى آخرون أنه وسيلة لإنقاذ التراث وجذب المشاهد الجديد.

تقنيًا، تعتمد عملية التلوين الحديثة على تحليل كل إطار من المادة المصورة، وتحديد العناصر داخله مثل البشرة والملابس والخلفيات، ثم إضافة طبقات لونية دقيقة يتم تعديلها يدويًا أو عبر الذكاء الاصطناعي. وفي الماضي كانت العملية تستغرق شهورًا طويلة لفيلم واحد، أما اليوم فقد أصبحت أكثر سرعة ودقة بفضل تقنيات التعلم الآلي ومعالجة الصور الرقمية فائقة الجودة.

وفي التلفزيون العربي بدأت هذه التجارب تظهر بشكل متزايد، سواء في المسلسلات القديمة أو الحفلات النادرة أو المسرحيات الكلاسيكية. والهدف المعلن دائمًا هو إعادة تقديم التراث للأجيال الجديدة التي اعتادت الصورة الملونة عالية الدقة، ولم تعد ترتبط عاطفيًا بالصورة الأحادية القديمة كما ارتبطت بها الأجيال السابقة.

لكنني أؤمن أن القضية ليست تقنية فقط، بل وجدانية أيضًا.

فاللون ليس مجرد إضافة بصرية، بل هو إعادة تفسير للعمل الفني نفسه. أحيانًا يمنح الحياة، وأحيانًا يسحب جزءًا من السحر الغامض الذي صنعته الظلال القديمة.

ربما لا توجد إجابة حاسمة.

فبعض الأعمال تستفيد فعلًا من التلوين، خاصة حين يكون الهدف حفظ التراث وتقريبه من جمهور جديد، بينما تظل أعمال أخرى مرتبطة بروعتها الأصلية كما خرجت لأول مرة إلى النور.

ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن ما فعله وسيم فتال تجربة تستحق التقدير، لأنها فتحت بابًا مهمًا للنقاش حول علاقتنا بذاكرتنا الفنية، وكيف يمكن للتكنولوجيا أن تعيد تقديم الماضي دون أن تمحو روحه.

ويبقى السؤال مفتوحًا:

هل نشاهد الأعمال الكلاسيكية كما صنعها أصحابها؟

أم كما تسمح لنا التكنولوجيا الحديثة أن نراها اليوم؟

كاتب المقال : خالد سالم – إعلامي .. نائب الامين العام لاتحاد الإعلاميين الأفريقي الأسيوي

 اقرأ أيضا

الإعلامي خالد سالم يكتب لـ «30 يوم»: سرعة المجتمع

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى