أحمد عزت يكتب لـ «30 يوم»:︎ من التنافس إلى التسمم الرياضي
لم يعد المشهد مجرد جماهير تتبادل المناكفات والقفشات على مواقع التواصل الاجتماعي، فهذه ظلت دائماً جزءاً من روح اللعبة، وطالما بقيت داخل حدود الأدب فهي مقبولة بل ومفهومة، لأن كرة القدم في النهاية قائمة على الشغف والانفعال والفرح والغيظ أيضاً، ففي كرة القدم، هناك قاعدة قديمة كانت تمنح اللعبة شيئاً من جمالها الإنساني: ابتسم عند الهزيمة، وتواضع عند النصر. لكنها للأسف تحولت اليوم إلى مجرد عبارة محفوظة تُقال في كتب التنمية البشرية أكثر مما تُمارس على أرض الواقع أو حتى في ساحات النقاش الرياضي.
▪️︎ المشكلة الحقيقية بدأت عندما انتقلت العدوى من المدرجات إلى المنصات الإعلامية المحترفة. حين أصبح بعض الإعلاميين، ومن يفترض أنهم أصحاب رسالة، هم أنفسهم وقود التعصب ومهندسي الكراهية. لم يعد الأمر يقتصر على تحليل مباراة أو انتقاد قرار، بل تحول إلى حفلات يومية من السخرية والسب والإسقاطات والتشكيك في الذمم والنوايا، حتى بات المشاهد يشعر أن بعض البرامج الرياضية لم تعد تُقدم إعلاماً، بل تُقدم ساحات مليئة بالردح والانحدار الأخلاقي.
▪️︎ المؤسف أكثر أن هذا الانحدار أصبح يُبرَّر تحت شعار «حرية الرأي» أو «الاحتفال المشروع».. نعم، من حق المنتصر أن يفرح كما يشاء، وأن يحتفل بالطريقة التي يراها مناسبة، وللمدة التي يقررها، سواء فاز بكأس العالم أو حتى ببطولة من دورات الأحياء الشعبية، لكن يبقى هناك فارق شاسع بين الاحتفال والشماتة، بين الفرح والإهانة، بين المزاح المقبول والإسفاف المتعمد. والأهم أن من يختار طريق التحفيل الجارح عليه أن يتذكر جيداً أن كرة القدم لا تعترف بالدائم، وأن الأيام دوارة، وأن الكأس التي تسقي بها غيرك اليوم ستتذوق منها غداً، ربما بمرارة أكبر، لأن المنافس بالأساس هو أكثر عدداً وعتاداً، وتاريخه أكبر، وهذا معلوم من البطولات بالضرورة.
▪️︎ هذه الازدواجية لا تظهر فقط في أسلوب الاحتفال، بل حتى في تقييم البطولات والإنجازات. قبل أيام قليلة فقط، كانت بطولة الكونفدرالية تُقدَّم باعتبارها «بطولة أفريقيا»، وصُنعت لها الألقاب والهتافات والتيشيرتات المنقوش عليها عبارة «أسيد أفريقيا»، لكن بمجرد أن تغيّر موقع البعض منها، تحولت فجأة إلى بطولة هامشية لا قيمة لها يشارك فيها أندية من نوعية «البط الكيني». والحقيقة التي لا تحتاج إلى جدال أن دوري أبطال أفريقيا يظل البطولة الأكبر والأقوى قارياً، وهذا ليس انتقاصاً من الكونفدرالية، بل توصيف منطقي يعرفه الجميع. أما تغيير المعايير حسب هوية المشارك، فليس سوى نوع من التدليس الرياضي ومحاولة لتطويع الحقائق وفق الهوى والانتماء.
▪️︎ وفي خضم هذا الضجيج، يضيع النقاش الحقيقي. فمثلاً، لا يوجد أي تناقض في أن يعترف الأهلي بأنه ارتكب أخطاء كثيرة هذا الموسم، وأنه استحق دفع ثمن بعض هذه الأخطاء، وفي الوقت نفسه يتحدث عن وجود قرارات تحكيمية أضرّت به بصورة واضحة. الاعتراف بالتقصير لا يلغي حق الاعتراض، كما أن الاعتراض لا يعني الهروب من المسؤولية. لكن المشكلة أن الساحة لم تعد تتقبل النقاش الهادئ، بل أصبحت تتعامل مع أي رأي بمنطق «إما معنا أو ضدنا».
ولو تمت مراجعة جميع الحالات التحكيمية الجدلية التي يرى البعض أن الأهلي تضرر منها، مقارنةً بما يُقال عن الحالات التي استفاد فيها أو تلك التي تخص منافسيه مثل الزمالك وبيراميدز، فإن النتائج ستُظهر تأثيراً كبيراً على مسار المنافسة على لقب الدوري، وهو ما يراه بعض المحللين جديراً بجمعه في فيديو واحد يرصد اللقطات كافة دون استثناء.
والدليل الأكثر استفزازاً للجماهير ليس مجرد الخطأ ذاته، بل التناقض الصارخ في المعايير؛ بشكل يدفع تلقائياً للتأكد من أن الأزمة لم تعد فقط في القرار، بل في الثقة نفسها، فالحالة التحكيمية التي أثارت الجدل في يوم التتويج، حين اتخذ الحكم محمود وفا قراراً مختلفاً في لقطة مشابهة بعد العودة لتقنية الفيديو، واحتسب ركلة جزاء بداعي لمسة يد في مباراة ببطولة أفريقيا للناشئين، وهو ما فتح باب المقارنة مع قراره في مباراة الأهلي وسيراميكا، حينما رفض احتساب ضربة جزاء للأهلي في لقطة متشابهة تماماً، وهو ما أثار نقاشاً واسعاً بين المتابعين حول تباين تقدير الحالات التحكيمية من مباراة لأخرى.
▪️︎▪️︎ في النهاية، أخطر ما يحدث حالياً ليس خسارة بطولة أو فوز نادٍ على آخر، بل خسارة المعنى الحقيقي للرياضة. حين يتحول الإعلام من مساحة للنقد والتنوير إلى أداة للشحن والتأجيج، وحين تصبح الأخلاق تهمة، والاحترام ضعفاً، فإننا لا نخسر مجرد «روح رياضية»، بل نخسر وعياً كاملاً يُفترض أن الرياضة تساعد على بنائه لا هدمه.
كرة القدم ستبقى دائماً لعبة تمنح الفرح والحزن والانتصار والانكسار، لكن ما لا يجب أن تقبله أبداً هو أن تتحول إلى مبرر دائم للكراهية، أو منصة لإسقاط القيم والأخلاق تحت لافتة التشجيع والانتماء.
اقرأ أيضا
أحمد عزت يكتب لـ «30 يوم»:︎كيف أسقط إعلام الزمالك فريقه في نهائي الكونفدرالية؟




