رياضةكُتّاب وآراء

أحمد عزت يكتب لـ «30 يوم»:︎كيف أسقط إعلام الزمالك فريقه في نهائي الكونفدرالية؟

▪️︎ لم تكن خسارة الزمالك لقب كأس الكونفدرالية الإفريقية مجرد سقوط رياضي عابر، بل كانت صفعة قاسية لمنظومة كاملة عاشت أسابيع طويلة خارج الواقع، وتصرّفت وكأن الكأس حُسمت بالفعل، ولم يتبقَّ سوى موعد الاحتفال. الصدمة لم تُصب جماهير الزمالك وحدها، بل امتدت حتى إلى كثير من جماهير الأهلي أنفسهم، ممن كانوا يتابعون المشهد بدهشة، وهم يرون فريقاً لم يتوج بعد، يُعامل إعلامياً وجماهيرياً باعتباره بطلاً متوجاً لا محالة.
▪️︎ المشكلة الحقيقية لم تكن في خسارة مباراة كرة قدم، فالكرة بطبيعتها تحتمل الانتصار والهزيمة، وإنما في الطريقة التي أُدير بها المشهد بالكامل منذ الوصول إلى النهائي وحتى صافرة النهاية. فمن غير المنطقي أن يتحول فريق بحجم الزمالك إلى مشروع احتفال قبل أن ينجز المهمة فعلياً، خاصة أمام منافس مثل اتحاد العاصمة الجزائري، الذي وإن لم يكن اسماً مرعباً قارياً، فإنه دخل النهائي بعقلية أكثر هدوءاً وانضباطاً واحتراماً للمباراة.
▪️︎ في المقابل، بدا الزمالك وكأنه دخل اللقاء أسيراً لضغط هائل صنعته منظومته بنفسها.. فالإدارة تتحدث مبكراً عن ترتيبات الاحتفال، بانرات وأتوبيس مكشوف للاحتفال، بل وتم الاستقرار على أن يتولى اللاعب محمد شحاتة رفع الكأس تضامناً مع وفاة والده ـ رحمه الله ـ وكأن اللقب أصبح أمراً واقعاً لا ينتظر سوى لحظة التسليم، وكلها أجواء أوحت للجميع بأن اللقب أصبح في خزائن النادي بالفعل.
▪️︎ أما الإعلام المحسوب على الزمالك، وممثلو النادي والناطقون باسمه، فقد لعبوا الدور الأخطر، ولعلهم يتحملون جزءاً كبيراً من المسؤولية. فذلك الإعلام انشغل مبكراً بصناعة أجواء الانتصار قبل حدوثه، وتعامل مع البطولة وكأنها حُسمت بالفعل، فزاد من جرعات التمجيد والتوقعات المبالغ فيها، حتى تحوّل الأمر إلى حالة من التسليم المسبق بالتتويج.
وهنا تحديداً بدأت الكارثة، لأن أخطر ما يمكن أن يصيب أي فريق هو الغرور المصنوع إعلامياً. فعندما يتحول الحديث من «كيف نفوز؟» إلى «كيف سنحتفل؟»، فإن الفريق يكون قد خسر جزءاً كبيراً من تركيزه قبل أن تبدأ المباراة. والأسوأ أن هذا الخطاب انتقل إلى الجماهير ومنصات التواصل الاجتماعي، فتحولت الصفحات إلى حفلات سخرية وتحفيل بالخصوم، وكأن الزمالك أصبح بالفعل سيد القارة.
▪️︎ الحقيقة المؤلمة أن الزمالك لم يكن أفضل فنياً في النهائي، بل ظهر عاجزاً هجومياً بصورة صادمة، ولم يصنع تقريباً سوى فرصة وحيدة طوال مباراة العودة في القاهرة. وفي كرة القدم، لا تنتصر بالأماني ولا بالضجيج الإعلامي، بل بالتركيز والانضباط واحترام المنافس. ولهذا فاز الفريق الأفضل داخل الملعب، بغض النظر عن ترتيبه المحلي أو ظروفه.
▪️︎ الأزمة أيضاً كشفت خللاً أعمق داخل الوسط المحيط بالنادي، وهو ثقافة تعليق الإخفاقات على «المؤامرات» والظروف والتحكيم، بدلاً من مواجهة الحقيقة. فخلال الأسابيع الماضية، تم تضخيم ملف إيقاف القيد وكأنه السبب الرئيسي في كل أزمة، رغم أن الفريق الذي لعب النهائي يضم لاعبين دوليين وأصحاب خبرات، ولا علاقة مباشرة لقضايا القيد بأداء مجموعة موجودة بالفعل داخل الملعب، فقد ظلّ الإعلام المنتمي للزمالك يتغنّى ببطولةٍ لم تتحقق بعد، وراح يمجّد الفريق مدّعياً أنه تحدّى الظروف، وأن تتويجه باللقب سيكون أشبه بصناعة المستحيل، إذ كيف لفريق أن ينتصر وسط كل هذه الظروف؟
لكن الحقيقة غير ذلك، فما هي هذه الظروف تحديداً؟ وما علاقة إيقاف القيد ـ حتى لو وصلت القضايا إلى 17 أو حتى 100 قضية ـ بالمجموعة الموجودة داخل الملعب؟ فالفريق في النهاية لا يملك حق التعاقدات منذ يناير الماضي، ولن يتمكن من القيد إلا خلال فترة الانتقالات الصيفية المقبلة.. وبالتالي، سواء كانت قضايا إيقاف القيد 17 أو حتى 1000، فلن يتغير شيء على أرض الواقع في الوقت الحالي على الأقل.. وهذا وضع كل الأندية وليس الزمالك وحده.
▪️︎ بل إن الأخطر من ذلك، أن البعض بدأ يتعامل مع جائزة البطولة المالية وكأنها وصلت فعلاً إلى خزائن النادي، وتم بناء أحلام فك القيد وإبرام الصفقات المقبلة على 4 ملايين دولار لم يربحها الزمالك بعد. وكأن الجميع قرر إنفاق الأموال قبل أن تأتي أصلاً.
وفي تقديري، فإن أكثر ما ظلم جماهير الزمالك هو هذه الحالة من الوهم الجماعي التي صُنعت حول الفريق. جمهور النادي ذهب إلى المدرجات وهو مقتنع بأن الاحتفال مضمون، فعاد إلى منزله مصدوماً، لا بسبب خسارة لقب فقط، بل لأنه اكتشف فجأة الفارق الكبير بين الحلم الذي صُدّر إليه والواقع الحقيقي داخل الملعب.
▪️︎ الزمالك لا يحتاج اليوم إلى مزيد من الشعارات ولا إلى خطاب المظلومية، بل يحتاج إلى مراجعة شاملة لثقافة كاملة أصبحت تعيش على الانفعال والصخب أكثر مما تعيش على العمل الحقيقي. فالأندية الكبرى لا تُدار بالعنتريات الإعلامية، ولا تُحقق البطولات عبر «التحفيل» بالمنافسين، بل بالعقل، والهدوء، واحترام كرة القدم قبل أي شيء آخر.
وربما تكون هذه الخسارة، رغم قسوتها، فرصة ضرورية لكي يدرك الجميع أن البطولات لا تُحسم في البرامج التلفزيونية، ولا على مواقع التواصل الاجتماعي، بل داخل المستطيل الأخضر فقط.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى