توبكُتّاب وآراء

الإعلامي خالد سالم يكتب لـ «30 يوم»: تجربتي مع شكاوى رئاسة الوزراء

تم الاتصال برقم شكاوى مجلس الوزراء 16528.
جهزت الرقم القومي، وبعد مجموعة من الإرشادات المسجلة المتوافقة مع الأرقام المضغوطة، رد شاب مهذب بصوت هادئ، وسألني عن طبيعة الشكوى.
أخبرته أن الشكوى متكررة وتتعلق بحرق القمامة وعدم جمعها من قبل الشركات المكلفة بالنظافة في مدينة السادس من أكتوبر، رغم حصول هذه الشركات على ملايين الجنيهات من أموال المواطنين التي يتم تحصيلها شهريًا عبر فواتير الكهرباء، وهي مبالغ تقدر بعشرات الملايين.
شرحت له أن المشكلة الأساسية تبدأ من غياب صناديق القمامة أصلًا، ما يدفع السكان إلى تجميع المخلفات في مناطق فضاء. ثم تأتي الشركة فتأخذ جزءًا من القمامة وتترك الباقي، وكأنها تؤدي واجبًا شكليًا فقط. بعدها تبدأ دورة عبثية من التلوث؛ الذباب ينتشر، والكلاب الضالة تعبث بالأكوام، ثم يأتي شخص مجهول — لا أعرفه — ليشعل النار في القمامة، فتحترق المخلفات وتتحول المنطقة إلى بؤرة خانقة للتلوث.
في تلك اللحظات نغلق النوافذ هربًا من الدخان، رغم حرارة الصيف القاسية، فنجد أنفسنا عالقين بين نارين: حرارة قاتلة خارج المنزل، ودخان سام داخله. وكأن المواطن أصبح مطالبًا بأن يدفع من قوته وصحته ثمن خدمات لا يحصل عليها أصلًا، بينما الفواتير تلتهم ما تبقى من دخل لا يكفي لا للغذاء ولا للدواء.
أخبرت موظف مركز الشكاوى بكل تفاصيل هذه الدورة العقيمة للقمامة، وذكّرته برقم الشكوى السابقة. فجاء الرد أكثر إحباطًا من المشكلة نفسها؛ إذ قيل لنا إن هيئة المجتمعات العمرانية أفادت بأنه “تم إزالة أسباب الشكوى”، وأن القمامة يتم جمعها مرتين يوميًا من الصناديق الموجودة.
لكن الحقيقة الصادمة أنه لا توجد صناديق قمامة من الأساس.
قلت له بوضوح: هذا دليل على أن المسؤول الذي رد على الشكوى لم ينقل الحقيقة. وأضفت أن وظيفة منظومة الشكاوى ليست مجرد تلقي رد الجهة المشكو في حقها، بل التأكد من المواطن نفسه باعتباره صاحب الشكوى. خاصة أنني أرسلت فيديو يوثق حجم التلوث البيئي بصورة مرعبة لا تحتمل الإنكار أو التجميل.
إن أي منظومة شكاوى لا تبحث عن الحقيقة، بل تكتفي بتبادل الأوراق والردود الرسمية، تتحول مع الوقت إلى مجرد واجهة بيروقراطية بلا جدوى. المواطن لا يريد بيانات مطبوعة ولا عبارات محفوظة، بل يريد حلًا حقيقيًا يشعر به في الشارع الذي يعيش فيه، والهواء الذي يتنفسه، والمال الذي يدفعه.
وأعتقد أن الوقت قد حان لإعادة هيكلة منظومة الشكاوى بالكامل، بحيث تصبح جهة رقابية حقيقية تمتلك أدوات التحقق والمتابعة والمحاسبة، لا مجرد صندوق لتدوير الكلمات بين المواطن والمسؤول.
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي دولة، ليس وجود مشكلة… بل الاعتياد عليها.

كاتب المقال : خالد سالم – إعلامي .. نائب الامين العام لاتحاد الإعلاميين الأفريقي الأسيوي

اقرأ أيضا

الإعلامي خالد سالم يكتب لـ «30 يوم»: مدينة أكتوبر… ما أصابها.. فيديو

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى