د. محمد المنشاوي يكتب لـ «30 يوم»: حكيم حكماء العرب و «الفتى» المعجزة !
“الحكمة” واحدة من أعلي العطاءات الألهية للإنسان ، وإلا ما قال الله تعالي:”يُؤتي الحكمة مَنْ يشاء ومن يُؤت الحكمة فقد أوتي خيرأً كثيراً”(البقرة 269) ..
و”الحكيم” هو من جمع بين العلم والمعرفة والرُشد وسداد الرأى والقول الحق وإتقان العمل ووضع الأمور فى مواضعها الصحيحة حتي يصبح بين الناس مرجعاً مرشداً..
و”أكثم بن صيفى” أحد رؤساء بني تميم البارزين كان أشهر حكماء العرب قبل الإسلام ،حتي أنه صُنف بحكيم العرب بلا منازع .. فهوإبن رباح بن معاوية بن شريف بن جروة إبن أسيد بن عمرو إبن تميم…أحد أشهر حكماء العرب فى ذكر الأمثال والأقوال والأحكام التى أظهرت حكمته وفطنته ورجاحة عقله والتي لطالما نالت إعجاب حتى غير العرب لدرجة دفعتكسرى لأن قال عنه: لو لم يكن للعرب غيرك لكفي ..
ولهذا حفلت الكثير من المراجع بسيرته وتاريخه بينها (المنتظم فى تاريخ الملوك والأمم) لإبن الجوزية و(السيرة النبوية) لإبن هشام وكُتب (الأنساب) للسمعانى و(المحبر) لإبن حبيبو(المعمرون والوصايا) للسمعانى وغيرها..
ذات يومٍ كان أبو طالب بن عبد المطلب عم رسول الله صلي الله عليه وسلم يطوف بالبيت الحرام ومعه الفتى “محمد” وهو فى الرابعة عشرة من عمره أى قبل البعثة النبوية بستةٍ وعشرين عاماً ، فرآه أكثم إبن صيفي حكيم حكماء العرب،فقال لأبى طالب وهو يتفحصه بنظرِه وفراسته:
ما أسرع ما شب أخوك يا أبي طالب ؟؟
فقال أبو طالب : ليس أخي بل إبن أخي عبد الله !! ..
فرد أكثم قائلاً : إبن الذبيح ؟؟
قال أبو طالب: نعم ..
(( وإبن الذبيح تسمية أُطلقت علي عبد الله والد النبي صلى الله عليه وسلم عندما نذر أبوه عبد المطلب وهو يحفر بئر زمزم أن إذا رزقه الله بعشرة ذكور فسيذبح أحدهم فداءً عند باب الكعبة ، وعندما أتم أولاده العشرة دعا عبد المطلب قريشاً لكي يفى بوعده أمام الجميع فجاءت قريش تشهد ذلك ، وجاء بمن يجري القرعة على أولاده فخرجت القرعة أكثر من مرة علي عبد الله الذى كان أصغر أولاده وأكثرهم جمالاً ووسامةً.. ونام عبد الله تحت قدمي والده إيذانا بالذبح.. وهاجت قريش وبكت النساء لفعل عبد المطلب… فإقترحت “عاتكة” إبنته علي والدها أن يفديه بالإبل وهذا قرباناً لله أيضاً، فقال عبد المطلب: كيف يا إبنتي فإنك مباركة..فقد كانت عاتكة واحدة من بناته المسموع رأيها لرجاحة عقلها.. قالت له: لتجريقرعة على عشرة إبل مقابل عبد الله، فظل عبد المطلب يعمل القرعة حتى زاد عدد الإبل مقابل عبد الله إلى مائة ووقعت فى النهاية علي الإبل، لكنه قال:لن أنفذ القرعة حتي تتأكد النتيجة ثلاث مرات، وحدث …عندئذٍ قال: إذبحوها جميعاً ولا تبقوا منها واحداً !!! عندها قام ولداه الزبير وأبوطالببنزع أخيهما عبد الله من تحت ساق والدهم حتى أن وجه عبد الله قد سُلخه تراب الأرض وسط بكاء النساء..ولهذا قال النبي صلي الله عليه وسلم عن نفسه فى الحديث الذى أخرجه الحاكم والألباني عن روايه معاوية إبن أبى سفيان: “أنا إبن الذبيحين”.. إشارة إلى والده عبد الله الذي فُودي بمائة من الإبل فهو الذبيح الثاني،وجده إسماعيل إبن إبراهيم عليهما السلامفهو الذبيح الأول الذى فداه لله بذبحٍ عظيم..) ..
أعود إلى الحوار بين أكثم بن صيفي وأبو طالب:
فعندما قال أبو طالب لأكثم حكيم حكماء العرب: نعم ،إبن الذبيح ..
فأخذ أكثم يتأمل الفتى “محمد” ، ثم قال:
ما تقولون فى فتاكم هذا يا أبو طالب ؟؟
فقال أبو طالب: إنا لنحسن الظن به ، وإنه لحيُ جزيُ سخيُ وفيْ ..
قال أكثم: أفغير ذلك يا إبن عبد المطلب ؟؟..
قال أبو طالب: إنا لنتَيمَن بمشهده ، ونلتمس البركة فيما لمس بيده ..
قال أكثم: أفغير ذلك يا إبن عبد المطلب ؟؟ ..
قال أبو طالب: إن فتي مثله ،حريُ به أن يسود ويتَحرف بالجود ..
قال أكثم: أما أنا فأقول غير ذلك !!!
قال أبو طالب: قل يا حكيم العرب فإنك نفاث غيبٍ وجلاء ريبٍ !! ..
قال أكثم : ما خُلق لهذا إبن أخيك ،إلا أن يضرب العرب قاطمةً بيدٍ خابطةٍ ورجلٍ لابطةٍ ، ثم ينعق بهم إلى مرتعٍٍ مُريع وورد تشريع ،فمن إخرورط إليه هداه ،ومن إخرورق عنه أرداه ….
وما أن عاد أكثم إلي أبنائه حتى قص عليهم ما رآه فى مكة ولقائه بالفتي “محمد” إبن الرابعة عشرة ، وقال لهم: أنه لنبى ، فإن خرج وأنا فيكم فإني ناصره ،وإن خرج بعد موتي فعليكم بإتباعة والإمتثال إلى أمره …
وما أن بُعث النبي صلي الله عليه وسلم حتى خرج إليه أكثم وأولاده قاصداً مكة وقد كان فى ذلك الوقت طاعناً فى السن فوافته المنية فى الطريق فمات وقال لهم وهو يحتضر دعوني وإلحقوا برسول الله فقال أبناؤه :لنبقي معك حتي ندفنك ونسير إليه؟.. قال: أبلغوا رسول الله مني السلام ودعوا جسدي للطير أو للدود فإنهما يستويان ..!! فلما دخلوا علي رسول الله صلي الله عليه وسلم بادرهم بالقول: الآن دفن أبوكم ، ثم نزلت الآية: “ومن يهاجر فى سبيل الله يجد في الأرض مراغماً كثيراً وسعة ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على اللهوكان الله غفوراً رحيماً”(النساء 100) ..
هكذا كان رأى حكماء العرب وغيرهم في رسولنا الأكرم صلي الله عليه وسلم حتي قبل أربعين عاماً علي بعثته الشريفة وعلي مدي مراحل عمره المبارك وعلاماته الإعجازية الظاهرة طفولة وفي الصبا والشباب والتي كانت من السهولة علي كل ذِى عقل أن يتلمسها وأن يتنبأ به ويستشعر معجزته صلي الله عليه وسلم …
( كاتب المقال د. محمد المنشاوي سياسي وأديب ، نائب رئيس تحرير وكالة أنباء الشرق الاوسط للشؤون الدولية والتعاون الدولي ، وكبير محرري شئون رئاسة الجمهورية سابقًا ، والحائز على جائزة “ملهم الدولية – وشخصية العام لسنة ٢٠٢٤ ” فى مجال الإعلام الهادف والتثقيف السياسي ” من منتدى رواد الأعمال العرب).
اقرأ أيضا
د. محمد المنشاوي يكتب لـ «30 يوم»: الغيرة الوطنية بين المشروعية وحسابات الواقع




