الإعلامي حمدي رزق يكتب: ولا خطر على قلب بشر
مواليد القرن الحادي والعشرين في مصر، أظنهم أقل حظًا من آبائهم، مواليد النصف الثاني من القرن العشرين.
وشهدوا، على الهواء مباشرة، ثلاث حروب إقليمية في أوكرانيا وغزة وإيران، خلّفت ضحايا بالآلاف، وحرب واحدة منها كانت تكفي جيلًا، سيما أنها حروب مذاعة على الهواء مباشرة، دون مونتاج، ودون إضافات، ودون محسنات تليفزيونية؛ يشاهدون القصف المفرط، والدمار المحقق، والطائرات تسقط، والصواريخ تعبر القارات، وحاملات الطائرات، والمدمرات، والفرقاطات، والتحام الجيوش، ما لم يتيسر لآبائهم مشاهدته سوى في أفلام السينما. وعاصروا جائحة فيروسية مميتة (كورونا) حصدت ملايين الأرواح، وأغلقت الحدود، وارتدى العالم بأسره الكمامات، وتلاشت مظاهر الحياة، وفقدوا أغلى الناس، ووقفوا طوابير لتلقي اللقاحات، وطالعوا فقه الجوائح، وراجعوا علم الفيروسات، وشاهدوا العواصم خاوية، والميادين تشكو الخلاء، ولم يحجوا في عام الجائحة، وخطب بابا الفاتيكان في خواء، وصلّوا صلاة الخوف، وسمعوا بآذانهم تمتمات الصالحين في بهيم الليل: اللهم يا خفي الألطاف، قِنا مما نخاف، ومما لا نخاف.
مواليد القرن الحادي والعشرين انفجرت في وجوههم ثورة المعلومات، والأثر التحويلي لموارد الاتصال المتكاملة، مثل الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، التي تتيح الوصول الواسع والسريع إلى المعلومات في مصادرها ومشاركتها مع نظرائهم؛ حوّلت العالم، صاروا في قلب العالم، وتحركهم سلبًا وإيجابًا محركات البحث الإلكترونية ذات اليمين وذات اليسار.
يسمونهم تعريفًا بهم جيل زد (Generation Z) أو «الزوومرز»، وهم المولودون بين عامي 1997 و2012 تقريبًا، وهم أول جيل ينشأ بالكامل في عصر الإنترنت والتكنولوجيا الذكية. يتميز هذا الجيل بكونه «رقميًا أصيلًا»، وواعيًا اجتماعيًا، ومبدعًا، ويميل إلى التعلم الذاتي، لكنه قد يعاني تشتت الانتباه والضغوط النفسية. أولادنا وأحفادنا من جيل (زد) في شغل عنا، في شغل عن موجبات الأسرة، وأخشى عن موجبات الوطن، صاروا كائنات عولمية، يغردون على موجات بعيدة، بُعد المشرق عن المغرب، جيل مختلف أفكارًا، ومعتقداتٍ، وتصرفاتٍ، جيل لم يعد يعتد بكتابٍ ألّفه مبدع من جيل الأجداد، ولم يسمع عنهم، ولا يأبه بجهادهم ونضالهم، ولا تفانيهم في الإخلاص لمقاصد الوطن العليا.
لا أظلمهم، ولا أتجنى عليهم، ولكن أرثي لحالهم، وحالنا معهم، وقد انصرفنا عنهم، وانصرفوا عنا، وتباعدت المسافات، وتقطعت الحوارات، وصار ما يشبه حوار الطرشان؛ نراهم في أعيننا متمردين، ويروننا في أعينهم تقليديين، نراهم بعيون مشفقة، ويروننا بعيون زائغة لا تكاد ترانا، يرون أفقًا بعيدًا، أبعد من مخيلتنا مهما عظم الخيال وتمدد في الفراغ.
الهوة بين الأجيال، أجيالنا وأجيال تلت، تتسع، باتت صدعًا عظيمًا، شقاقًا وفراقًا، لا نمد يدًا إليهم، وهم مكتفون بالفراق، عالمنا ليس عالمهم، عالمهم كوني، العولمة خطفتهم فراخًا صغيرة لم تريش بعد من بين أحضاننا، صاروا كائنات عولمية عصية على الاحتواء، وتزيد الهوة في الاتساع، وأخشى أنه لا سبيل لجسرها بطرقنا القديمة، ووسائلنا العقيمة، وأفكارنا الماضوية.
أخشى من الخشية: أفلتوا من المدار، ولا سبيل لاستعادتهم، تباعدت المسافات الفكرية، وتعقدت الاختلافات الجوهرية، مسافات ضوئية، فراسخ وأميال، لم نسعَ لقطعها، ولم يحركوا ساكنًا لقطعها، ولا سبيل لجسرها، ما يكلفنا خسارة محققة لا نحتملها، وهم لا يفكرون في احتمالها، سادرون في غيهم الحداثي دون نظرة إلى الخلف، لتاريخ أو جغرافيا حاكمة لحركة الأجيال، وحركة الأجيال كحركة الأفلاك في نظام لا يختل، ولكنه صار مختلًا اختلالًا عظيمًا، ما يؤذن بصدام محقق كلفته باهظة على المستقبل.
بأيدينا، وما كسبت أيدينا، وما ظلمناهم، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون، انظر ترَ تعليمًا على اختلاف، وثقافةً على خلاف، ونظامًا اجتماعيًا لا ينظمه ناظم، ولا فكرة مسيطرة، وثقافة أصيلة غارت مياهها في بئر عميقة، حتى في الثياب تعددت أزياؤه ما بين حجاب ونقاب، وأفكار ما أنزل الله بها من سلطان، سلفيين وإخوانًا وجماعات، ولكل أفكاره المؤسسة بعيدًا عن فكرة الوطن، «همه شعب واحنا شعب»، وفي السكن أحياء شعبية وراقية، وكمبوندات مسورة بأسوار عالية، تفصل ما بين شباب الجيل الواحد، تحسبهم جميعًا وقلوبهم شتى. جيل زد لا يزال في الإمكان احتواؤه إذا خلصت النوايا، جيل ألفا (Generation Alpha)، الفوج الديموغرافي الذي يضم مواليد الفترة بين 2010 و2025 تقريبًا، وهم الأبناء غالبًا لجيل الألفية (Millennials). يُعد أول جيل وُلد بالكامل في القرن الحادي والعشرين، ويتميز بأنه «رقمي 100%»، حيث نشأ في بيئة يهيمن عليها الذكاء الاصطناعي، والهواتف الذكية، وشاشات الأجهزة اللوحية منذ نعومة أظفاره، تخيل شكل وملامح هذا الجيل، أفكاره مستقاة من أفكار إلكترونية لا محل لها من الإعراب الوطني، وعاداته عولمية بامتياز، ومشاكله ليست مشاكلنا، وسماته ليست سماتنا، وروحه خاوية من المعنى الوطني الساكن في القلوب.
جيلا زد وألفا معضلة وطنية تقض مضاجع علماء النفس والاجتماع، بين ظهرانينا أجيال لم تغنِّ بـ«أغلى اسم في الوجود»، ولم تَخْفِق بسماها وترابها، ولم ترَ شهداء الحدود، ولم تجرّب طعم الانتصار، ولم تنتظر يومًا طلوع النهار.. على وجوههم يهيمون..
اقرأ أيضا
الإعلامي حمدي رزق يكتب: فكم توالى الليل بعد النهار




