د. محمد المنشاوي يكتب لـ «30 يوم»: الشمائل المحمدية وحب الوطن
“الشمائل” تعنى الخصال والطباع والأخلاق والصفات والسجايا ، وتكتب أحيانًا بالهمزة وأحيانًا أخري بالياء ومفردها شُميلة …
ومن الشمائل المحمدية للنبي محمد صلّ الله عليه وسلم حب الوطن والتعلق به والغيرة عليه ونصرته والإنتماء الوطنى لأرضه وترابه ..
حيث يتشكل الإنتماء الوطني فى صُلب ورحم الإنسان من بذور حُب الوطن ، ليمثل صخرة صلبة تتهشم عليها أطماع المتنمرين بالأوطان..
وما يدور ويحدث حولنا من سقوط الأنظمة وإنهيار الدول ، ما هو إلا نتيجة مباشرة للإفتقار إلى ثقافة الإنتماء الوطنى ، ولذلك ، كان حب الوطن واحدة من الشمائل المحمدية لرسول الله صلّ الله عليه وسلم ..
فقد توقفت كثيرأ عند مناجاة النبى صلّ الله عليه وسلم عندما أجبرته قريش على مغادرة وطنه مسقط رأسه مكة ، لأجدها تعبيرًا صادقًا ونموذجًا مرشدًا على حُب الوطن والإنتماء الوطنى ..
” والله إنك لأحب بقاع الأرض إلى الله وإلىَّ ، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت ” ، فبهذه الكلمات المفعمة بحب الوطن والإنتماء الوطني عَبْر النبي صلّ الله عليه وسلم عن حبه وتعلقه بوطنه مكة وحزنه على مفارقتها ..
ليُثْبِت أن حبَ الوطن سُنةٌ محمدية ، يتعين الإلتزام بها والحفاظ عليها ، لإذكاء روح الدفاع عنه ورفع إسمه ومناصرة قضاياه ..
وليؤكد بالتالى حقيقة مفادها : أن الدفاع عن الاوطان ضد الأعداء والمتنمرين والخونة ، يبدأ من داخلها ..
وتجسيدًا لحب الوطن وتأكيداً لحق المواطنة والحفاظ على الدولة الوطنية ، كتب رسول الله صلّ الله عليه وسلم فى السنةِ الأولى من الهجرة ، “وثيقة المدينة” الشهيرة لتكون أول دستور تشريعي مكتوب تعرفه البشرية فى ذلك الوقت ..
وقد أثبت كلماته صلّ الله عليه وسلم بشأن حبه لوطنه مكه ، كذِب وزيف أقوال قادة الجماعة الإرهابية عن الوطن مصر .. تلك الشعارات التى روجوها بأقوالٍ مغلوطةٍ مثل : ما الوطن إلى حفنة من تراب ، وغيرها من الشعارات المماثلة التى أربأ عن ترديدها ..
فرغم كَونهم مسلمين ، عارض قادة وزعماء هذه الجماعة بنهجهم ومسلكهم الخبيث فى السيطرة على الدولة ، دعوته صلّ الله عليه وسلم لحب الوطن والأوطان والحفاظ على الدولة الوطنية وحُرمة التآمر على الوطن ..
لقد جاءت “وثيقة المدينة ” لتحقق مبدأ المواطنة لجميع السكان مهما إختلفت عقائدهم من مسلمين ونصارى ويهود ، ولتحدد لهم الواجبات وتضمن لهم الحقوق ، داخل حدود الدولة الوطنية الواحدة..
وظلت هذه الوثيقة مرجعًا رئيسيًا لعلماء القانون الدولى والمنظمات الحقوقية الدولية المنادية بالدفاع عن حقوق الإنسان حتى يومنا هذا ..
وفى ظل ما تشهده المنطقة من تقلبات ومطامع وصراعات ، بل وما يشهده العالم من حروب وصراعات داخلية وخارجية ، تظهر أهمية وضرورة الدولة الوطنية فى بلداننا العربية ، وهي الغاية التى عملت من أجلها قيادتنا الرشيدة ..
وحيال هذه التحديات الكبيرة وغيرها ، فنحن فى مصرنا الحبيبة أحوج ما نكون إلى التمسك بهذه الشمائل المحمدية حفاظًا على وحدة الشعب بمختلف أطيافه سياسيًا وإجتماعياً وعقائديًا لمجابهة أعداء الوطن داخليًا وخارجيًا ، فالدفاع عن الأوطان يبدأ من داخلها ..
فلا يخفى على أحد ، حجم ما تتعرض له مصر من مخاطر تتربص بها من جميع الجهات ، للنيل من قوتها وتماسكها وعصيانها على الإنكسار الذى طال غيرها من الدول ، بفضل الله ثم بصلابة وقوة جيشها المصرى العظيم ، ليس فى وقتنا الحاضر فقط ، بل وعلى مر العصور ..
وإلا ما قال صلّ الله عليه وسلم عنها ، فى الحديث الشريف الذى رواه الحاكم فى المستدرك والطبرانى فى معجمه الكبير والبيهقى فى شِعب الإيمان عن إبن عباس : إذا فتح الله عليكم مصر بعدى ، فإتخذوا فيها جنداً كثيفًا ، فذلك الجند خير أجناد الأرض ، فقال أبو بكر الصديق ولِما يا رسول الله ؟ قال : لأنهم فى رباط إلى يوم القيامة ” ..
فدلت كلماته صلّ الله عليه وسلم بشأن مصر وجندها على أمرين ؛ أولهما : ديمومية وإستمرار الطامعين والمتنمرين بمصر ، وهذا قدرها ..
ثانيًا : خَيْرية جيشها العظيم بين جيوش العالم ، بفضل تمرسه على مر التاريخ على كسر الطغاه الذين تجرأوا على المساس بمصر وشعبها ..
فقد ظل هذا الجيش المصرى على مر التاريخ حائط سدٍ منيع دفاعاً عن وطنه وعالمه العربى أمام جحافل الغزاة والطغاة فى كل زمان ..
فقد أنقذ هذا الجيش العالمين العربى والإسلامي من زحف التتار فى واحدة من أبرز المعارك الفاصلة فى التاريخ الإسلامى بمعركة عين جالوت فى ٣ سبتمبر سنة ١٢٦٠ م ، بعد إنتكاسات مريرة لدول ومدن العالم الإسلامي ..
والسبب أن طبيعة تكوين هذا الجيش المصرى الذى يتشكل من نسيج أُسر وعوائل الشعب ، قد تشبع بقدسية رسالته فى الدفاع عن أهله ووطنه وعقيدته وشرف الشهادة فى الذود عنهم ، وتشبعه بثقافة أن من قتل دون وطنه فهو شهيد ، عملًا بقوله صلّ الله عليه وسلم فيما رواه سعيد بن زيد وأخرجه الترمزى : من قُتل دون ماله فهو شهيد ومن قُتل دون دمه فهو شهيد ومن قُتل دون دينه فهو شهيد ومن قُتل دون أهله فهو شهيد”..
فحب الوطن ومتانة الإنتماء الوطنى والحفاظ على الدولة الوطنية هى ثقافة تجذرت فى عروق هذا الشعب، لتتأصل فى نسيج قادة وأبناء جيشه..
اقرأ أيضا
د. محمد المنشاوي يكتب لـ «30 يوم»: عتاب الأشقاء.. والتاريخ يحكي




