توبكُتّاب وآراء

د. هدى محمد عبد الرحمن تكتب لـ «30 يوم»: حين يصبح الصواب مكلفًا.. أخلاقيات المهنة تحت ضغط الواقع

لا تبدأ الأخلاق من الكتب، ولا تُختبر في القاعات، بل في تلك اللحظات الصامتة التي يجد فيها الإنسان نفسه وحيدًا… بلا شهود.
في العمل، لا يأتي الخطأ عادةً في صورة صريحة,. أغلب الناس لا تقع أخلاقيًا مرة واحدة… بل خطوة صغيرة ورا التانية…
لا أحد يقول لك: “اكذب”. بل تقال لك جملة أكثر خداعا: خلّي الموضوع يعدّي, خليها تمشى, كل عيش, وهنا تحديدًا…يبدأ الامتحان الحقيقي.
المشكلة ليست أننا لا نعرف الصواب، بل أننا أحيانًا لا نريد أن نتحمّل ثمنه. نعرف… لكننا نتردد حين ندرك أن له ثمنًا غاليا.
في بيئات العمل، يُعاد تشكيل الضمير ببطء. ليس عبر قرارات كبرى، بل عبر تنازلات صغيرة، تبدو في لحظتها غير مؤثرة. تعديل بسيط في تقرير، تغاضى عابر عن خطأ، مجاملة تخفي حقيقة. ثم لا يحدث شيء.
وهذه هي أخطر المفارقات, حين يمرّ الخطأ بلا عواقب، يصبح طبيغيا, ومع التكرار، يتحول من استثناء إلى عادة، ومن خيار إلى أسلوب.
نحن لم نسقط أخلاقيًا دفعة واحدة, بل ننزلق… بهدوء، دون أن نشعر. نبدّل لغتنا أولًا، ثم منطقنا، ثم معاييرنا. نقول: “الجميع يفعل ذلك”، وكأن الشيوع يمنح الشرعية. نقول: أنا مضطر, وكأن الضرورة تمحو المسؤولية… لكن بين الاضطرار والتبرير مساحة دقيقة، غالبًا لا تُرى إلا بعد أن نعبره, .وحينها ندرك أننا وقعنا في سلة التبريرات.
هنا، لا تبدو الفلسفة بعيدة كما نظن, حين تحدث الفلاسفة عن الواجب، أو الفضيلة، أو المنفعة، لم يكونوا يكتبوا نظريات بعيدة أو مجردة، بل كانوا يحاولون فهم هذه اللحظة تحديدًا: لحظة الاختيار تحت الضغط.
لحظة لا يحكمها قانون، ولا تراقبها عين، بل يُترك فيها الإنسان… لنفسه, لضميره. هل يختار التوازن؟, أم يتمسك بالواجب؟, أم يفكر في النتيجة والمنفعة والمصلحة فقط؟
لكن أيًّا كان الاختيار…تبقى الحقيقة الأهم: ليست الأخلاق ما نعلنه، بل ما نفعله حين لا يُطلب منا أن نشرح, الأخلاق ممارسة.
قد ينجح الإنسان… رغم تنازلاته. بل قد يُكافأ عليها أحيانًا. لكن هناك خسارة من نوع آخر، لا تُقاس بالترقيات… ولا بالأرباح.
خسارة داخلية هادئة، تحدث حين يبتعد الإنسان—خطوة صغيرة— عن الصورة التي كان يراها لنفسه.
ليس السؤال إذن: هل القرار نافع؟ ولا حتى: هل هو مقبول؟, السؤال الأصدق: هل أستطيع أن أعيش مع هذا القرار؟ لأن بعض الاختيارات لا تترك أثرها في الخارج، بل تحدث ندوبًا في الداخل.
في الطريقة التي يرى بها الإنسان نفسه، وفي الخطوط التي يرسمها—أو يمحوها—داخل ضميره.
لا تعد أخلاقيات المهنة شعارات جوفاء، ولا نصوصًا نحفظها، بل لحظات صغيرة، عادية، متكررة، نُترك فيها وحدنا… مع أنفسنا.
وفي تلك اللحظات، يبدأ كل شيء. الخطأ لا يبدأ كبيرًا…بل صغيرًا. والصمت…أحيانًا يحميك، ولكنه يجعلك شريكً.
وفي النهاية، قد لا يتذكر الآخرون ما اخترته، لكنّك أنت… ستتذكر. لأن الإنسان لا يصبح ما يقوله…بل ما يختاره، مرة بعد مرة.

 اقرأ أيضا

د. هدى محمد عبد الرحمن تكتب لـ «30 يوم»: العنف اللفظي.. نحو فلسفة علاجية لإعادة بناء الذات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى